فلأنه يلزم منه أن لا يكون مربوطا بقوله :
خَلَقَكُمْ
[ التغابن : 2 ] ولا يخفى فساده وأما الثاني فلأنه يرفع الأمان أما الأول فلأنه يحتاج إلى النقل من الثقاة والمثال المذكور مصنوع فالأولى كون الفاء للتفصيل المحض بلا عطف .
قوله : ( فيعاملكم بما يناسب أعمالكم ) فيه وعد على الإيمان ووعيد على الكفر والطغيان .
قوله تعالى :
[ سورة التغابن ( 64 ) : آية 3 ]
خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ ( 3 )
قوله : ( بالحكمة البالغة ) أي المراد بالحق الحكمة البالغة أي مشحونة بضروب البدائع تبصرة للنظار وتذكرة لأولي الاعتبار وتسبيبا لما ينتظم به أمور العباد في المعاش والمعاد ومعنى البالغة هنا العظيمة .
قوله : ( فصوركم من جملة ما خلق فيهما بأحسن صورة حيث زينكم بصفوة أوصاف الكائنات وخصكم بخلاصة خصائص المبدعات وجعلكم أنموذج جميع المخلوقات ) من جملة ما خلق فيهما أي في السماوات والأرض بأحسن صورة ولا مخلوق فيهما أحسن صورة من البشر ولا مساو له في ذلك فيلزم منه أنه أحسن صورة من الملك كما في قوله تعالى :
لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ
[ التين : 4 ] بأن خص بانتصاب القامة وحسن الصورة واستجماع خواص الكائنات ونظائر سائر الممكنات فإن الرأس نظيره سقف السماء والروح كالشمس والعقل كالقمر والحواس كالكواكب السيارات والبطن كالبحر والظهر كالبر والصوت كالرعد والضحك كالبرق وشعره كالنبات وإلى ما ذكرنا أشار بقوله وجعلكم أنموذج جميع المخلوقات وفي قوله من جملة ما خلق فيهما إشارة إلى وجه تأخير ذكر
وَصَوَّرَكُمْ
[ التغابن : 3 ] وذكر عقيب خلق السماوات الخ والظاهر ذكره عقيب
خَلَقَكُمْ
[ التغابن : 2 ] فتدبر .
قوله : ( فأحسنوا سرائركم ) بالعقائد الصحيحة والأخلاق الحسنة والأعمال الصالحة فإن منشأها استقامة البواطن ونبه به على مناسبته بابتداء الكلام حتى يكون ترشيعا .
قوله : ( حتى لا تمسخ بالعذاب ظواهركم ) المسخ بالخاء المعجمة تغيير الصورة فإنه بالعذاب يبدل أحسن صورة إلى أقبح صورة .
قوله تعالى :
[ سورة التغابن ( 64 ) : آية 4 ]
يَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ ما تُسِرُّونَ وَما تُعْلِنُونَ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ ( 4 )
قوله : (
وَيَعْلَمُ ما تُسِرُّونَ
[ التغابن : 4 ] ) فيما بينكم وما تظهرونه من الأحوال والأمور قوله : فأحسنوا سرائركم حتى لا يمسخ بالعذاب ظواهركم معنى الحث على إحسان السرائر مستفاد من ذكر
وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ
[ التغابن : 3 ] عقيب قوله :
وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ
[ التغابن : 3 ] المشير إلى مجازاة الأخروية التي في ضمنها الوعيد على من أحسن اللّه صورته وهو أقبح سيرته بسوء العقائد والنيات وسائر الصفات الباطنة المدنسة لجوهر القلب كالحقد والحسد والبخل والشهوة والغضب وغيرها .