المسبب وهو العلم بخيريته نبه عليه بقوله فتعلمون أني خير منه لا الخيرية نفسها كما هو الظاهر من النظم الكريم والمراد بالسبب الإبصار كما أشار إليه أيضا بقوله والمعنى أفلا تبصرون أم تبصرون حيث أدخل أم على تبصرون ثم فرع عليه قوله فتعلمون الخ فعلى هذا يأول الجملة الاسمية وهي أنا خير بالجملة الفعلية وهي فتعلمون لأن ما يتفرع على الإبصار علم الخيرية لا نفسها وإنما عدل عن الظاهر أعني أم تبصرون لأنه أمر ظاهر غير محتاج إلى الذكر والمحتاج إلى الذكر إخبار الخيرية فأقيم باعتبار علمها مقام الإبصار فأدخل أم المتصلة عليها مع أنها ليس بعديل لقوله أفلا تبصرون لأن المراد أم تبصرون فهو عديل له وجعله الزمخشري من تنزيل السبب منزلة المسبب عكس ما قاله المصنف وقرره النحرير التفتازاني بأن قوله أنا خير مسبب لقولهم من جهة نعته على النظر في أحواله واستعداده ما ادعاه وقولهم أنت خير سبب لكونهم بصيرا عنده فأنا خير سبب له بالواسطة لكن لا يخفى أنه سبب للعلم بذلك والحكم وأما بحسب الوجود فالأمر بالعكس لأن ابصارهم سبب لقولهم أنت خير ولذا قال المص إنه من إقامة المسبب الخ وعكس القاضي لأن علمهم بأنه خير مستفاد من الإبصار انتهى ومثل هذا التمحل لا يرتكب في كلام الفصحاء فما ظنك بكلام اللّه الملك العلام وكونه منقطعة واضح خال عن التكلف وجعله متصلا بملاحظة التقديرات والمحاورات يمكن في أكثر المواضع فالاكتفاء بكونه منقطعة هو الصواب فإنا لا نطلع مثل هذا التمحل في غير هذا الموضع .
قوله تعالى :
[ سورة الزخرف ( 43 ) : آية 53 ]
فَلَوْ لا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ جاءَ مَعَهُ الْمَلائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ ( 53 )
قوله : ( فهلا ألقي إليه مقاليد الملك إن كان صادقا إذ كانوا إذا سودوا رجلا سوروه وطوقوه بسوار وطوق من ذهب ) فهلا ألقي أي لولا تحضيضية قوله مقاليد الملك تنبيه على أن الكلام كناية عن ذلك التمليك مقاليد جمع مقلاد أو جمع مقلد بكسر الميم وسكون القاف وفتح اللام من قلدته إذا ألزمته إذ كانوا الخ تعليل لكونه كناية عما ذكر لأن عادتهم إذا سودوا رجلا أي إذا جعلوا سيدا فيما بينهم سودوه الخ ليعلم أنه جعل سيدا ومتبوعا فذكر اللازم وأريد الملزوم أو العكس .
قوله : ( وأساور جمع أسوار بمعنى السوار على تعويض التاء من ياء أساوير وقد قرىء به ) وأساور جمع أسوار بضم الهمزة بمعنى السوار بكسر السين وهو الأفصح وضمها قوله على تعويض التاء الخ فإن أصله أساوير جمع أسوار فالياء منقلبة عن ألف أسوار بوزن أفاعيل حذف الياء لأجل التخفيف كما حذف في زنادقة جمع زنديق فعوض التاء عن هاء فإنها تكون في الجمع المحذوف مدته للعوض كما مر في زنادقة جمع زنديق .
قوله : ( وقرأ يعقوب وحفص أسورة وهي جمع سوار وقرىء أساور جمع أسورة وألقي عليه أسورة وأساور على البناء للفاعل وهو اللّه تعالى ) وقرىء أساور التي هي جمع سوار فالأساور جمع الجمع .