النسبي غير موجودة في الخارج فلا تحتاج إلى الخالق إذ الخلق إخراج المعدوم من العدم إلى الوجود فهي صادرة عن العباد وهي مدار الثواب والعقاب فإنها ليست أمرا اعتباريا محضا كأنياب الأغوال وبحر من زئبق بل متحققة في نفس الأمر كالأمور النسبية بين الأمور كنسبة القيام إلى زيد وغيرها فإنها موجودة في نفس الأمر موصوفة بالمطابقة وعدم المطابقة لما في الخارج فالخارج ظرف لنفسها لا لوجودها لعدم وجودها فمعنى الآية ما كان لهم الخيرة المؤثرة فالمنفي هو التأثير لا الاختيار نفسه بقرينة قوله :
وَرَبُّكَ يَخْلُقُ ما يَشاءُ وَيَخْتارُ
[ القصص : 68 ] الآية حيث حصر الخلق على ذاته « 1 » المقدسة ونفى عن عباده تأثير إرادته الجزئية خلقا ومن أراد الاطلاع على حقيقة الحال فليراجع إلى المقدمات الأربعة للمحقق صدر الشريعة وشرحنا عليها .
قوله : ( وقيل المراد به أنه ليس لأحد من خلقه أن يختار عليه ) وقيل المراد فالمعنى حينئذ ما كان أي ما صح وما استقام لهم الخيرة على اللّه أي التحكم عليه تعالى بأن يقولوا لم لم يفعل اللّه كذا كما ذكر في سبب النزول لأن مآله لم لم ينزل القرآن
عَلى رَجُلٍ
[ سبأ : 7 ] الآية مرضه مع كونه مؤيدا لعدم ملائمته للسياق وأيضا يحتاج إلى حذف المتعلق وهو لفظة على اللّه كما عرفته وإلى حمل ما كان على معنى ما صح وما استقام فإنه نفى الكون هو الشائع لأنه معنى حقيقي له ومعنى نفي الصحة وإن كان معنى له مشهورا لكنه مجاز لا يصار إليه ما أمكن الحقيقة .
قوله : ( ولذلك خلا عن العاطف ويؤيده ما روي أنه نزل في قولهم
لَوْ لا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ
) ولذلك خلا عن العاطف بالتخفيف والبناء للفاعل وجه الخلو هو أنه حينئذ يكون مفسرا وموضحا لمعنى يخلق ما يشاء فإن حاصله أنه تعالى يخلق ما يشاء ويختار لا ما اختاره العباد عليه وهو ينافي العطف وفي الأول ترك العطف قوله : وقيل المراد به أنه ليس لأحد من خلقه أن يختار عليه يعني قيل المراد بقوله تعالى :
ما كانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ
[ القصص : 68 ] أنه ليس لأحد من خلقه أن يختار على ما اختاره اللّه تعالى أي ما صح لهم وما استقام أن يختار خلاف ما اختاره اللّه تعالى وهذا المعنى مستفاد من ما كان فإن ما كان له وما كان ينبغي له يستعملان في معنى ما صح له وما استقام له على ما مر فعلى هذا الوجه لا تدل الآية على سلب اختيار العبد بخلاف الوجه الأول فعلى هذا الوجه يكون
ما كانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ
بيانا ليختار فلذا ترك العاطف ولم يتعرض رحمه اللّه لوجه ترك الواو في الوجه الأول فلعل تركه لكونه استئنافا موردا في معرض الجواب عن السؤال المقدر فإنه لما أثبت اللّه تعالى الاختيار لذاته بقوله :
وَرَبُّكَ يَخْلُقُ ما يَشاءُ وَيَخْتارُ
[ القصص : 68 ] كان ذلك مظنة سؤال هل لغيره من عباده اختيار أم لا فقال
ما كانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ
جوابا لذلك السؤال لنفي الاختيار من غيره .
قوله : ويؤيده ما روي الخ أي ويؤيد هذا الوجه الأخير ما روي الخ وجه تأييده له أن قولهم هذا اختيار منهم على ما اختاره اللّه تعالى فنزلت ناطقة بعدم صحته .
هامش
( 1 ) لأنه من قبيل أنا سعيت في حاجتك .