فإن مثل وغير مع ما وأن المخففة والمشددة جوزوا بناءهما على الفتح كالظروف المضافة إلى المبنى وجوزوا أيضا إعرابهما وعن هذا ذهب بعضهم إلى كونه منصوبا على أنه صفة مصدر محذوف أي إصابته مثل إصابة قوم نوح والفاعل مضمر يعود إلى العذاب المفهوم أي إن يصيبكم هو ولم يرض به المص لأنه تكلف مستغنى عنه إذ الفاعل هو مثل لتبادر الذهن إليه بلا تأمل قوله منها الضمير راجع إلى وجناء وهي الناقة إلا وقال جمع وقل وهي الحجارة أي غصون ثابتة بأرض ذات حجارة أو شجرة المقل أو ثمره والمراد أن سماعها صوت الحمام على بعد شدة حسها يفزعها فيمنعها من الشرب أو يطربها فيلهيها عنه وهذا هو الظاهر إذ الإبل شديدة الحنين إلى الأصوات الحزينة وقيل إن فيه قلبا أي لم يمنعها من الشرب والشاهد في غير فإنه مبنى على الفتح مع أنه فاعل لم يمنع ( زمانا أو مكانا فإن لم تعتبروا بمن قبلهم فاعتبروا بهم أو ليسوا ببعيد منكم في الكفر والمساوي فلا يبعد عنكم ما أصابهم وإفراد البعيد لأن المراد وما اهلاكهم أو ما هم بشيء بعيد ولا يبعد أن يسوى في أمثاله بين المذكر والمؤنث لأنها على زنة المصادر كالصهيل والشهيق ) .
قوله تعالى :
[ سورة هود ( 11 ) : آية 90 ]
وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ ( 90 )
قوله : ( عما أنتم عليه عظيم الرحمة للتائبين فاعل بهم من اللطف والإحسان ما يفعل البليغ المودة بمن يوده وهو وعد على التوبة بعد الوعيد على الإصرار ) .
قوله : وإفراد البعيد مع تذكيره جواب عما يسأل ويقال إن قوله :
بِبَعِيدٍ
[ هود : 83 ] لم يرد بحسب الظاهر على ما يقتضيه قوم فإنه إن حمل على لفظه يقتضي أن يقال ببعيدة لأن القوم مؤنثه كما في قوله تعالى :
كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ
[ الشعراء : 105 ] وإن حمل على معناه يقتضي أن يقال ببعداء على الجمع لأن معناه جمع فعلم من قول المص مع تذكيره أن الأصل في القوم أن يؤنث وإذا حمل على التذكير إلى تأويل المستفاد من كلام الجوهري في الصحاح خلافه حيث قال إن القوم يذكر ويؤنث لأن أسماء الجموع التي لا واحد لها من لفظها إذا كان للآدميين يذكر ويؤنث مثل رهط ونفر وقوم قال تعالى :
وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ
[ الأنعام : 66 ] .
قوله : لأنها على زنة المصادر يعني لم يطابق موصوفه لكونه مشابها في الصيغة بالمصادر فحمل هو عليها في حكم عدم التطابق .
قوله : فاعل بهم من اللطف والإحسان ما يفعل البليغ المودة بمن يوده هذا إشعار بأن ذكر الودود بعد ذكر الرحيم واقع موقع التعليل لوصفه تعالى بالرحمة البالغة فإن قوله فاعل بهم من اللطف والإحسان معنى الرحيم الدال على أنه تعالى بليغ الرحمة لمن استغفر وتاب فكأنه قيل بليغ الرحمة لمن تاب لأنه بليغ المودة لمن يوده ومقتضى المودة البالغة اللطف والرحمة .
قوله : وهو وعد على التوبة أي قوله عز وجل :
إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ
[ هود : 90 ] بعد قوله :
وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ
[ هود : 90 ] وعد للمستغفر التائب بالرحمة البالغة والإحسان بعد الوعيد على المعرض المصر على الذنب بقوله عز وعلا :
يا قَوْمِ لا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقاقِي أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ ما أَصابَ قَوْمَ نُوحٍ أَوْ قَوْمَ هُودٍ أَوْ قَوْمَ صالِحٍ وَما قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ
[ هود : 89 ] .