على الوجه الثاني وأما في الأول فلا اقتصار لأن من التبعيضية آب عنه إلا أن يقال إن الاقتصار حينئذ في ذكرهما على التعيين وأما ما عداهما فلم يذكر معينا بل ذكر إجمالا .
قوله : ( كقوله عليه السّلام حبب إلي من دنياكم ثلاث الطيب والنساء وقرة عيني في الصلاة ) حبب بصيغة المجهول أي حبب اللّه إلي من غير علاقة وطلب مني ثم صرح بذلك بقوله من دنياكم أي الدنيا مضافة إليكم من جهة الحب والافتخار بها ولا تضاف إلينا من هذه الحيثية وإن صح إضافتها من جهة دار حياتنا المجازية ثلث تغليب للمؤنث على المذكر لأنه أقوى في إمالة القلوب وأشد المحبوب وأوفر في ستر العيوب ومن هذا السبب جعل أصلا وغلب على المذكر الطيب أي التطيب بالطيب كالمسك مثلا والنساء ولذا أبيح الزيادة على الأربع لحكمة دعت ولمصلحة اقتضت منها اطلاعهن على أمور لا يطلعها سوى الزوجات فتعلمها النساء الأجنبيات ومنها معاملتهن باللطف والرفق مع كثرتهن وتخالف أطوارهن وتحمل ما صدر منهن بحسب الجبلة البشرية تعليما لأمته وتحريضا على اقتدائه حين جمعوا بينهن إلى الأربع لا لمجرد قضاء الوطر والتلذذ في السفر والحضر ومن زعم ذلك فقد ضل وكفر والتمثيل في الاقتصار على الاثنين من الثلث وهذا إذا لم يجعل قرة عيني في الصلاة « 1 » من الدنيا لكن الأكثرين ذهبوا إلى أنها من الدنيا بمعنى ما يقع في الدنيا وإن تعلق بالآخرة كقوله عليه السّلام « الدنيا ملعونة وملعون ما فيها إلا ذكر اللّه » وما والاه حيث عد ذكر اللّه من الدنيا لوقوعه فيها غاية الأمر أنه غير الأسلوب تنبيها على مغايرتها لما قبله والتأخير للإشارة إلى أنها ليست من الدنيا الصرفة وقدم الطيب لأنه حظ روحاني فقط والنساء حظ الروح والبدن معا والبسيط وما هو بمنزلته مقدم على المركب وما هو بمنزلته إن كان المراد بالأمن الأمن من العذاب في الآخرة فلا تغليب في من دخله وإلا ففيه تغليب العقلاء لأنه يأمن فيه الوحوش والطيور بل النباتات .
الصلاة » مذكور في موضع الثالثة وليس هو الثالثة وليس في الآية ما هو موضوع موضع الثالثة وهذا على ما رواه المصنف وأما على ما روى النسائي عن أنس قال قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « حبب إلي النساء والطيب وجعل قرة عيني في الصلاة » فليس من هذا الباب وفي الكشاف ونحوه في طي الذكر قول جرير :
كانت حنيفة أثلاثا فثلثهم * من العبيد وثلث من مواليها
والاستشهاد في أنه طوى ذكر ثلثهم وهو صميمتهم لأنه يهجوهم فكره ذكر الخالص منهم لأن ذكر الخالص لا يناسب الهجو ولذا طوى ذكره وسكت عنه وفيه أيضا ويجوز أن يراد
فِيهِ آياتٌ بَيِّناتٌ مَقامُ إِبْراهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِناً
[ آل عمران : 97 ] لأن الاثنين نوع من الجمع كالثلاثة والأربعة قالوا قوله لأن الاثنين نوع من الجمع فيه نظر والأولى أن يقول لأن في الاثنين معنى الجمع فتأمل .
هامش
( 1 ) وهذا الحديث بتمامه أخرجه النسائي في سننه .