قوله : ( لما دلت الآيات والأخبار أن حكم غيرهن خلاف ما ذكر ) فإنه لا عدة على الحكم أي الحكم بالخير وهو يتربص بأنفسهن ثلاثة قروء كما ذكره في تفسير
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ
[ البقرة : 6 ] الآية حيث قال والتعريف في الذين كفروا يجوز أن يكون للعهد وأن يراد بهم ناس بأعيانهم وأن يكون للجنس متناولا لكل من صمم على كفره تصميما لا يرعوى بعده وغيرهم ودل على تناوله للمصرين الحديث عنهم باستواء الإنذار وتركه عليهم وقال القاضي أو للجنس متناولا كل من صمم على الكفر وغيرهم فخص عن غير المصرين بما أسند إليه وهذا الذي أورده صاحب الكشاف إنما يرد على أصل الحنفية فإنهم يشترطون في دليل الخصوص أن يكون لفظا مستقلا مقارنا للعام وذلك في الآية ليس بموجود ومعنى قوله في الجواب بل اللفظ مطلق أنه ليس من باب العموم والخصوص بل هو من تقييد المطلق وقد تقدم تحقيق ذلك في حواشي تفسير قوله تعالى :
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا
[ البقرة : 6 ] الآية واعترض عليه الإمام بأن العام إنما يحسن تخصيصه إذا كان الباقي قبل التخصيص أكثر من حيث إنه جرت العادة بإطلاق لفظ الكل على الغالب يقال في الثوب إنه أسود إذا كان الغالب عليه السواد فإن حصل فيه بياض قليل كان إطلاق لفظ الأسود عليه كذبا فثبت أن الشرط في كون العام مخصوصا أن يكون الباقي بعد التخصيص أكثر وهذه الآية ليست كذلك فإنكم أخرجتم عن عمومها خمسة أقسام وتركتم قسما واحدا فإطلاق اللفظ العام في مثل هذا الموضع لا يليق بحكمة اللّه تعالى قوله وتركتم قسما واحدا المراد به المرأة المنكوحة المطلقة بعد الدخول الغير الحامل من ذوات الإقراء الثلاثة وقد خرج بالتخصيص خمسة أقسام الأول المطلقة الأجنبية فإنها إذا وقع الطلاق عليها كانت مطلقة لغة لا شرعا والثاني المطلقة قبل الدخول والثالث المطلقة الحامل والرابع المطلقة الآيسة التي هي ذات الأشهر والخامس المطلقة الرقيقة ثم أجاب الإمام عن ذلك الاعتراض بقوله والجواب أما الأجنبية فخارجة عن اللفظ فإن الأجنبية لا تقال فيها إنها مطلقة وأما غير المدخول بها فالقرينة يخرجها لأن المقصود من العدة براءة الرحم والحاجة إلى المرأة لا تحصل إلا عند سبق الشغل وأما الحامل والآيسة فإنهما خارجتان عن اللفظ لأن إيجاب الاعتداد بالإقراء إنما يكون حيث يحصل الإقراء وهذان القسمان لم يحصل الإقراء في حقهما وأما الرقيقة فتزويجهن كالنادر فثبت أن الأعم الأغلب باق تحت هذا العموم إلى هنا كلامه .
قوله : أن الأعم الأغلب باق لأن الباقي بعد التخصيص هي المطلقة المدخول بها ذوات الإقراء ومن المعلوم أنهن أكثر من المطلقات المدخول بهن الآيسة من الحيض وما عدا هذا القسم لم يخرج بالمخصص بل خرج بعضها بلفظ المطلقات كالأجنبيات التي أوقع عليها الطلاق لأنها غير مطلقة في اصطلاح أهل الشرع وإن كانت مطلقة عند أهل اللغة والمعتبر في إطلاقات الألفاظ في بيان الأحكام هو المعاني الشرعية وبعضها بدلالة العقل لا بدلالة القيد الذي هو المخصص هذا هو مراد الإمام من جوابه هذا أقول حكم العدة المذكورة لما كانت مستفادة من هذه الآية لأن العقل الصرف لا مدخل له في الشرعيات غير مستقل في إفادة الأحكام ما لم يستند إلى الشرع وما ذكره من وجه خروج تلك الأقسام ناظر إلى قيد هذا الحكم الواقع هنا غير ما أخرجه لفظ المطلقات كانت دلالة العقل أيضا مستندة إلى دلالة المخصص المذكور في الآية فكان خروج تلك الأقسام من لفظ المطلقات أو من المخصص أو لندرته فكأنه في حكم العدم فعلى هذا الإشكال الذي أورده الإمام باق .