Skip to main content

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد — Page 422

Contributors:

P.422
أنه مقابل لما يستطيبه الشرع أي ما تستطيبه الشهوة المستقيمة وإن لم يستطيبه الشرع ولا يخفى ما فيه والقول بأن المراد بالحلال ما نص الشارع على حله وبهذا ما لم يرد فيه نص ولكنه مما يستلذ ويشتهيه الطبع المستقيم ولم يكن في الشرع ما يدل على حرمته كإسكار وضرر لا يخلو عن كدر لأن الحاكم في الأحكام الشرعية هو الشارع لا سيما عند الأشعري ومنهم المص فإن عندهم لا يعرف بالعقل حسن الأشياء وقبحها فضلا عن الحكم بهما وعندنا هما يعرفان عقلا في الأمور لكن لا يحكم بهما وهذا ظاهره ملائم لما ذهب إليه المعتزلة من أنهما يعرفان عقلا ويحكم بهما وقيل في دفعه ويمكن دفعه بأن الحلال كان مثبتا في الشرع وحرمة الأكل بلا شهوة صادقة مما يعرف بهذه الآية ولا يخفى ما فيه والأولى كون أو بمعنى الواو فح يكون المعنى كلوا مما في الأرض حلالا مع كونه طيبا تستطيبه الشهوة المستقيمة تحريضا للأنفع فإن الحلال إذا كان مما تستحسنه الشهوة الصادقة يكون نفعه أوفر ثم إن استطابة الشهوة قد تكون من خلو المعدة عن الأطعمة فح يكون ترغيبا للأكل حين الجوع وتحذيرا عنه وقت الشبع وقد يكون من تحقق كمال اللذة في الأطعمة النفيسة فح يكون حثا على تناول الأطعمة النفيسة ولو في بعض الأحيان إذ اعتياد ذلك يورث الغفلة في الجنان فيكون ردا بليغا لمن حرم على نفسة الأطعمة النفيسة الشهية ولعل الجمع بين الحلال والطيب للإشارة إلى هذا وإيراد المص لفظة أو للتنبيه على أن كل صفة على حيالها مستقل في إباحة الأكل وإن لم يمكن الانفكاك بينهما في الشرع والشهوة توقان النفس إلى الأمور المستلذة واستقامتها كما أشرنا إليه بخلو المعدة عن الطعام والمزاج عن السقم والآلام فإن السقيم وممتلئ المعدة لا اعتداد بهما فإن الأول قد ينكر طعم السكر والماء العذب من سقم والثاني قد يستكره بهما لامتلاء المعدة ومن اعتاد استعمال الكريهة البشيعة فقد خرج شهوته عن الاستقامة فلا يعبأ باستطابته واستكراهه . قوله : ( لا تقتدوا به في اتباع الهوى ) إشارة إلى أن اتباع الخطوات كناية عن الاتباع الطيب بما تستطيبه الشهوة المستقيمة من حيث إنه لو لم يفسر به بل فسر بما يستطيبه الشرع لزم التكرار لأن الحلال لا يكون إلا طيبا ولمن فسره بالأول حمله على التأكيد كقوله تعالى :
وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ
[ الأنعام : 38 ]
وَلا تَنابَزُوا بِالْأَلْقابِ
[ الحجرات : 11 ] وكقول العرب رأيته بعيني وسمعته بأذني . قوله : لا تقتدوا به في اتباع الهوى يعني أصل المقصود النهي عن اقتداء الشيطان في فعل المحظورات والمحرمات التي منعها الشرع من أن تفعل لكن ترك أصل الأسلوب الدال على ذلك وعدل عنه إلى أسلوب آخر للتمثيل وتصوير المعقول بصورة المحسوس فإن معنى ولا تتبعوا خطوات الشيطان من حيث الظاهر ولا تمشوا أثر إقدام الشيطان ولا تذهبوا عقيبه وليس المقصود هذا المعنى الظاهر بل المراد ما ذكره وهو النهي عن اقتدائه في اتباع الهوى فإنه مثل أن يقال للمتردد في أمر بين أن يفعل وأن لا يفعل أني أراك تقدم رجلا وتؤخر أخرى والمراد أني أراك مترددا في أمرك والغرض من العدول عنه تصوير المعقول في صورة المحسوس للتقرير والتثبيت .