فهو داخل في تحت قاعدة كلية حيث قالوا إن همزة الأفعال إذا كانت للتعدية تتضمن معنى الجعل فمعنى اذهب جعله ذاهبا واخرج وادخل جعله خارجا داخلا إلى غير ذلك وكتب اللغة لم يبين فيها المواد الجزئية كليا بل كثيرا ما يكتفي بما علم من القاعدة الكلية ولو ثبت فيها أنه لا يقال أحاطه بمعنى جعله حائطا لاختل حينئذ بيان الخيالي ثم الأحسن ما يقال في بيان الاستعارة أن الاستعارة تمثيلية شبهت الهيئة المنتزعة من بني إسرائيل وعروض المذلة والمسكنة على وجه الكمال بحيث لا يتخلصون عنهما بوجه بالهيئة المنتزعة من القبة والخيمة وضربها على من فيها بحيث لا يقدر على الخروج عنها بسبب فقد المخرج والنفوذ فاستعمل اللفظ المركب الموضوع للمشبه بها في المشبه فلا مجاز في مفرداته وجه الشبه الإحاطة المحسوسة في المشبه بها والمعقولة في الهيئة المشبهة وقيل شبه تثبيت الذلة عليهم بضرب القبة الثابتة على المضروب عليه ووجه الشبه الإحاطة والشمول وهذا ما في المفتاح حيث قال المستعار منه ضرب الخيمة وما شاكلها وإنه أمر حسي والمستعار له التثبيت وأنه أمر عقلي ومنهم من قال إنه شبه عموم الذلة لهم « 1 » بإحاطة القبة ووجه الشبه الإحاطة الداخلة في مفهوميهما أو اللزوم .
قوله : ( أو ألصقت بهم ) ذهب أكثر حواشي الكشاف أن الوجه الأول على الاستعارة قوله : أو التصقت بهم عطف على أحيطت أي الاستعارة إما بالذلة بأن شبهت الذلة بالقبة المضروبة على شيء المحيطة به من كل جانب ثم حذف المشبه به وأقيم المشبه مقامه وأثبت له الضرب على سبيل التخييل فيكون استعارة مكنية مقرونة باستعارة تخييلية وهي ههنا اثبات الضرب للذلة وإما في الفعل وهو ضربت بأن شبه الصاق الذلة ولزومها بضرب الطين على الحائط ولزومه إياه ثم استعير اسم الضرب لالصاق الذلة فيكون استعارة مصرحة تبعية قال بعض الفضلاء وليس الآية من باب الكناية في الاثبات وذهب بعضهم إلى أنها منه كما في قول زياد بن الأعجم :
إن السماحة والمروة والندى * في قبة ضربت على ابن الحشرج
وليس كذلك ولو كانت التلاوة جعلت الذلة في قبة ضربت على اليهود كانت منه فتأمل وقال بعض الأفاضل وإنما قال وضربت بالواو لا بالفاء تنبيها على أنه ليس بمرتب على سؤالهم النوع الآخر من الطعام بل على ما ذكر بعده من قوله
ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كانُوا يَكْفُرُونَ
الآية قال بعض المتأخرين من شراح الكشاف يعني أن في الذلة استعارة بالكناية حيث شبهت بالقبة أو بالطين وضربت استعارة تبعية تحقيقية لمعنى الإحاطة أو اللصوق لا تخييلية وهذا كما مر في نقض العهد وعلى الوجهين فالكلام كناية عن كونهم أذلاء متصاغرين هذا أقول هذا هو الصحيح لا ما ذهب إليه الأولون بدليل كلمة أو في قوله أو التصقت لانعدام المنافاة بين تشبيه الذلة بالقبة وتشبيه الصاق الذلة بضرب الطين لجواز اجتماعها في استعارة واحدة بأن يكون التشبيه الأول استعارة مكنية
هامش
( 1 ) الذلة من الذل كأنها الهيئة والحال مصدر للنوع والذل بضم الذال الصغار الذي كان عن قهر وبالكسر ما كان بعد شماس من غير قهر كذا في الراغب والمسكين مفعلة من السكون كأن الفقر اسكنه والمسكين مفعيل منه والميم زائدة في أصح القولين إذ قيل والنون زائدة وأنه من مسك والأصح أنه من سكن والميم زائدة .