عن أمر الخلافة ببيان أنهم لا يتحقق فيهم ما يتوقف عليه نظام الخلافة وهو المعرفة والوقوف على مراتب الاستعداد وهذا الوقوف إنما هو بمعرفة المسميات كلها المتوقف عليها أمر الخلافة فلما عجزوا عن معرفة تلك المسميات كلها بهذا الأمر ظهر عجزهم عن تدبير الخلافة فاتضح ارتباط الأمر كل الوضوح وقد مر إجمالا وتفصيلا أن الملائكة لم تخلقوا مستعدين لإدراك المسميات الموقوف عليها للخلافة والعلم بالبعض وإن تحقق فيهم لكن غير كاف في المقصود ونقل عن الشيخ أكمل الدين أبحاث يتحير فيها الناظرون ويتعجب منه الماهرون وأما الإشكال بأنه إذا كان المراد من الأسماء الألفاظ لم يلزم من عدم معرفة الألفاظ الموضوعة للمعاني التصرف قبل تحقق تلك المعرفة والوقوف إذ يجوز أن يعرف الشيء بالحس ويعرف مراتب الاستعداد وكان المعترض لم يفهم كلام المصنف أو تجاهل عنه فإنه بين أولا أن القوى الثلاثة غير متحققة فيهم والإدراك الذي يحصل بالقوة الشهوية والغضبية والوهمية غير واقع فيهم بل غير ممكن لتعلق علمه تعالى بخلافه وصرح ثانيا بأنه تعالى أشار إليه إجمالا بقوله
قالَ إِنِّي أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ
وأوضحه ثالثا بقوله والمعنى أنه خلقه من أجزاء مختلفة الخ وليت شعري كيف تورط في مثل هذه الموهومات لا سيما في كلام اللّه الذي هو خالق الكائنات ( وليس بتكليف ) .
قوله : ( ليكون تكليفا بالمحال ) أي لو حمل الأمر على معناه الحقيقي لزم التكليف بالمحال والممتنع لذاته إذ التكليف بالإخبار عن الأسماء بالمعنى الذي حرر سابقا مع عدم العلم بسبب انتفاء القوى المذكورة محال والأحسن أن المحال هنا الممكن في نفسه ولا يمكن من المخلوق عادة مثل طيران الإنسان إلى السماء فإن الإدراك الحاصل بالقوة الشهوية مثلا بدون تلك القوة ممتنع عادة والتكليف بهذا لا يقع اتفاقا لكن يجوز عندنا خلافا للمعتزلة وأما القول بأنه يفهم من القرآن أن علمه تعالى متعلق بعدم أنبائهم فيكون محالا فضعيف لأن تلك المرتبة من مراتب المحال يقع بها التكليف اتفاقا لأنه تعالى علم أن فرعون يموت على الكفر ثم أمره بالتوحيد والإيمان وكذا نظائره فلا يكون من قبيل التكليف بالمحال وتمام هذا البحث تقدم في تفسير قوله تعالى :
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ
[ البقرة : 6 ] الآية ( والإنباء إخبار فيه إعلام ) فهو أخص من مطلق الإخبار نقل عن الراغب إنه قال النبأ خبر ذو فائدة عظيمة يحصل به علم أو غلبة ظن الخ فالعلم في كلام المصنف المستفاد من الإعلام يعلم الظن الغالب وفيه نوع خفاء فالخبر الذي هو خال عن ذلك لا أسماء المعروضات ويعلم من ذلك أن المعلم الأسماء لا المسميات واختيار الأسماء ينافي أيضا ما دل عليه قوله خلقه مستعدا لإدراك أنواع المدركات من المعقولات والمحسوسات والمتخيلات والموهومات والهمه معرفة ذوات الأشياء وخواصها وأسمائها إلى آخر ما ذكره فإن المفهوم من ذلك أن المعلم المسميات والأسماء جميعا لا الأسماء وحدها .
قوله : وليس بتكليف عطف على تبكيت يعني أن الأمر في
أَنْبِئُونِي بِأَسْماءِ هؤُلاءِ
أمر تبكيت وتعجيز لا أمر تكليف حتى يكون من قبيل التكليف بالمحال .