مراتب وقولهم هذا أي إن التقوى إن فسر بترك ما لا ينبغي وإن سلم أنه يفهم منه معنى آخر مغاير للمعاني الثلاثة لا يعارض تصريحهم إذ المفهوم لا يعارضه مع أنه مؤول بما ذكرنا كيف لا وقد عدت المرتبة الأولى من التوقي عما يضره في الآخرة وظاهره أنه التوقي في جميع ما يضره مع أن التوقي عن الشرك لا يحفظ عن جميع ما يضره بل يصونه عن العذاب المخلد فصحة كونه قسما منه بناء على الحمل على الفرد الكامل فإن التوقي عن العذاب المخلد توق عن جميع ما يضره فكذا هنا كما أوضحناه ثم اعترض عليه بأن ترك ما لا ينبغي كلها يستلزم الإتيان بالطاعات إذ ترك الطاعات مما لا ينبغي فلا تكون الصفة مفيدة وأحسن ما قيل في الجواب أنه وإن استلزم إتيان الطاعات من حيث التحقق إلا أنه ليس عينه من حيث المفهوم فإن نظر إلى نفس مفهوم التقوى وفسر بمجرد الاجتناب كانت الصفة مفيدة غير ما أفاده موصوفها لكونها خارجة عن مفهومه وإن نظر إلى الاستلزام وفسر التقوى بفعل الطاعات وترك السيئات كانت كاشفة انتهى ولا يخفى عليك أن الموصوف بالتقوى موصوف بما صدق عليه التقوى لا بمفهومها فح يكون المعنى هدى للموصوفين بترك جميع ما لا ينبغي وقد اعترفت أنه يستلزم فعل الطاعات بأسرها والموصوف موصوف بترك جميع ما لا ينبغي مع لازمه أعني فعل الطاعات فلا تكون الصفة مفيدة مخصصة نعم العام بحسب المفهوم قد يقابل الخاص مفهوما وإن تساويا في التحقق في التقسيمات لكن لا يجري هذا في مثل ما نحن فيه وبهذا يظهر ضعف ما قيل من أنه المقصود أنه يمكن أن يراد بالتقوى ههنا معناه اللغوي الذي هو الاحتراز معتبرا تعلقه ببعض ما اعتبر تعلقه به شرعا أو يراد به معناه الشرعي لكن بعض معناه تجوزا انتهى وجه الظهور أن الاحتراز معتبر تعلقه ببعض ما اعتبر تعلقه به شرعا إنما يمكن هذا إذا أمكن مفارقة ذلك البعض عن البعض الآخر وقد عرفت عدم إمكانه بحسب التحقق والانفكاك مفهوما لا يفيد .
قوله : ( ترتب التحلية على التخلية ) الترتب في كلام المؤلفين التفرع على الشيء وقوعه إذ بعده مطلقا أو بحيث يكون الأول مقتضيا للثاني بسببية ونحوها وما نحن فيه من قبيل الأول إذ التخلية لا تستلزم التخلية لكن التحلية تتوقف عليها فيكون واقعا بعدها في الوجود فكان ذكرها بعد التخلية مناسبا غرضه الإشارة إلى وجه التقديم والتحلية الأولى بالحاء المهملة بمعنى التزيين من الحلي وهنا استعير لتزيين الظاهر والباطن بالأعمال الصالحة وأخلاق السنية والتخلية الثانية بالخاء المعجمة من الخلو عن الأفعال المردئة والأخلاق المهلكة وجوز بعضهم التجلية بالجيم من الجلاء وهو خلاف المتعارف والمتداول في الألسنة ما ذكر مع أن التصقيل يغنيه لأنه من صقل السيف إذا جلاه والتشديد للمبالغة لكن كون مجموع ذلك تحلية محل بحث إذ الإيمان بالغيب عين إزالة الشرك أو مستلزم له إذ لا واسطة بينهما عند أهل الحق إلا أن يقال هما مختلفان بالحيثية فإزالة الشرك من حيث إنها إزالة تخلية ومن حيث إذعان النفس تحلية والتلازم لا ينافي التغاير فتأمل وقول بعض المحشيين فلو حمل على التنزه عن الشرك كانت مفيدة باعتبار الصلاة
حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد — صفحة 431
مساهمون: اسماعيل بن محمد القونوي
ص٤٣١