الكتاب في أصل اللغة بمعنى المجموع مطلقا كما يفهم من قوله وأصل الكتب الجمع والظاهر أنه حقيقة في المنظوم عبارة أيضا اللهم إلا أن يقال قد هجر هذا المعنى في العرف العام واشتهر الكتب والكتابة في معنى الخط والرقم فانعكس الأمر بالنظر إلى العرف وكلامه أي كلام المص مبني عليه انتهى قوله وظاهر أنه حقيقة في المنظوم عبارة ضعيف إذ المنظوم عبارة لا يكون وجوده إلا متعاقبا كوجود الخطوات فإنهم قسموا الوجود إلى الوجود مجتمعا وإلى الوجود متعاقبا ولا ريب أن الموجود في التلفظ لعدم مساعدة الآلة تلفظه دفعة ولا يكون الكتاب بمعنى المجموع المنظوم عبارة فيكون مجازا في اللغة لكن لاشتهاره في العرف يكون حقيقة فيه قوله اللهم الخ قد أصاب في إشارته إلى ضعفه إذ هجره في العرف العام لا يكاد أن يخطر بالبال وأما المنظوم في الحظ فالجمع حقيقة فيه إذ المكتوب اللفظ إذ الكتابة « 1 » تصوير اللفظ بحروف هجائه كما نقل عن شرح المقاصد للمحقق التفتازاني فالأشكال والصور الدالة على الألفاظ مجتمعة في الوجود .
قوله : ( لأنه مما يكتب ) أي من شأنه أن يكتب ويجمع في الرقم والخط وإن لم يجمع في الخط فظاهر فيكون مجازا أوليا فيكون قوله هذا إشارة إلى العلاقة ( وأصل الكتب الجمع ) .
قوله : ( ومنه ) أي من الكتب بمعنى الجمع ( الكتيبة ) للجيش المجتمع أو لجماعة الخيل إذا غارت من المائة إلى الألف والأول هو الأشهر وفصله بقوله ومنه لكونها بمعنى الاجتماع والمأخوذ الجمع ولعل هذا مراد من قال وفصله على عادة أهل اللغة في بيان ما يؤخذ من الأصل لمناسبة معنوية وإن لم تكن ظاهرة .
قوله : ( معناه ) أي معناه المراد هنا ولو مجازا فإنه يصح إضافته إلى اللفظ لفهمه منه بقرينة معينة كما نبه المص عليها بقوله ألا يرى إلى قوله تعالى :
وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ
[ البقرة : 23 ] الآية فغرضه دفع إشكال بأنه كيف يصح نفي الريب على الاستغراق مع كثرة المرتابين والريب فيه ودفعه بقوله ( إنه لوضوحه ) أي في نفسه من جهة اللفظ أو المعنى أو قوله : معناه أنه لوضوحه الخ لما ناقض وجوه المرتابين في كون القرآن وحيا من عند اللّه نفى الريب عنه على سبيل الاستغراق صرفه عن ظاهره إلى أن معناه أنه لوضوحه الخ وحاصله أنه لا ريب فيه للعاقل الصحيح النظر في كونه بالغا حدا أعجز البشر ببلاغته عن أن يأتوا بمثله وهذا لا ينافيه ثبوت الريب للقاصرين عن النظر فالمعنى أن وضوح أمره في الدلالة على أنه كلام بحيث لا ينبغي لعاقل أن يرتاب فيه فيؤول إلى أنه ليس يليق أن يظن فيه الريب ولا يناسبه وليس معناه أن أحدا لا يرتاب فيه لكثرة المرتابين قال صاحب الكشاف ما نفي أن أحدا لا يرتاب فيه وإنما المنفي كونه متعلقا للريب ومظنة له لأنه من وضوح الدلالة وسطوع البرهان بحيث لا ينبغي لمرتاب أن يقع فيه قال القطب يعني أن قوله :
لا رَيْبَ فِيهِ
[ البقرة : 2 ] ليس معناه أن أحدا لا يرتاب فيه بل
هامش
( 1 ) إذ الكتابة تصوير اللفظ فيه إشارة إلى غلط من قال إن الكتابة تصوير النقوش .