Skip to main content

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد — Page 139

Contributors:

P.139
للإشعار بأنه كالطبائع اللازمة والصفات الغريزية أو من رحم بضم الحاء فيكون المعنى من رحم اللازم بنقل المتعدي إليه والمآل واحد قوله من رحم دون من رحمه قرينة على أن المراد اللازم دون المتعدي ولا يساعد اللفظ الحمل على المتعدي لأن الشيخين إذا أرادا بيان اشتقاق اللفظ من اللازم يقولان في أكثر المواضع من فعل ومن المتعدي من فعله كما يظهر لمن تتبع كلامهما وأيضا الظاهر أن المعنى على اللازم حيث لم يقصد تعديته إلى المفعول كما في قوله تعالى :
قُلْ أَ رَأَيْتُمْ إِنْ أَهْلَكَنِيَ اللَّهُ وَمَنْ مَعِيَ أَوْ رَحِمَنا
[ الملك : 28 ] الآية وبناء الصفة المشبهة من الفعل المتعدي بعد نقله إلى فعل وجعل معناه كالطبائع اللازمة أي بجعله مدلول ذلك المتعدي من الغرائز مما صرحوا به كما نقله المحقق عصام الدين والإنكار خارج عن الإنصاف باليقين وهذا في رحمان ظاهر لأنه صفة مشبهة وكذا في الرحيم فإنه صفة مشبهة على ما اختاره البعض واختاره المص لما ذكرنا من أن رحم لازم وأما إذا جعل من صيغ المبالغة فبناؤه من رحم المتعدي وإن أمكن لكن لا يساعده اللفظ وإرادة اللازم والمتعدي من لفظ واحد في إطلاق واحد مما لا نظير له والتمحل باختيار التكلف مستغنى عنه بما ذكرنا فهو أيضا من رحم اللازم وصيغة الأبنية للمبالغة ليست بمختصة بالمتعدي . قوله : ( كالغضبان ) « 1 » فإنه صفة مشبهة ( من غضب ) اللازم في أصله ولا ضير فيه إذ المقصود بالتنظير به كونه صفة مشبهة وهذا لا يتوقف على كون مأخذ الاشتقاق فيهما متحدا في كونه لازما ومتعديا ولقد أصاب في هذا التشبيه حيث جمع بين المتقابلين وهو من شعب البلاغة وأحسن الطريقين وورد في الحديث الشريف « سبقت رحمتي غضبي » فمن قال إن هذا التشبيه من سوء الأدب فقد أساء الأدب وتجاوز الحد . قوله : ( والعليم من علم ) أي من علم المتعدي بعد جعله لازما ولهذا تعرض لبيانه مع أنه مستغن عن ذكره إلا أنه لم ينقل إلى علم بضم اللام لعدم إرادة نكتة معتبرة في نقل رحم إلى فعل بضم العين كما مرّ ولبعض « 2 » المحشين تشنيع على الفحول يتعجب منه العقول . قوله : ( والرحمة رقة القلب ) أي الروح فإن القلب كثيرا ما يراد به الروح لما بينهما الرحمن صفة مشبهة يأبى أن يكون مشتقا من فعل متعد فكيف يجوز اشتقاقه من حرم ورحم متعد قلنا قد نجعل الفعل المتعدي لازما بمنزلة الفعل الغريزي فينقل إلى فعل بضم العين ثم يشتق منه الصفة المشبهة ذكره العلامة في الفائق في فقير ورحيم ورفيع ألا يرى أن قوله تعالى رفيع الدرجات
Footnote
( 1 ) أي الممتلىء غضبا وكان الغضب طبيعة له . ( 2 ) وهو الشهاب حيث قال قال الشريف تبعا للشارح الفاضل فإن قيل الرحمن صفة مبنية فكيف يشتق من رحم وكذا القول في رب وملك وأما الرحيم فإن جعل صيغة مبالغة كما نص عليه سيبويه في قولهم هو رحيم فلانا فلا إشكال فيه وإن جعل من الصفة المشبهة كما يشعر به تمثيله بمريض اتجه عليه السؤال أيضا وأجيب بأن المتعدي قد يجعل لازما بمنزلة الغرائز فينقل إلى فعل بضم العين ثم يشتق منه الصفة المشبهة وهذا مطرد في فقير ورفيع ومن ثمة قيل معنى رفيع الدرجات رفيع درجاته لا رافع الدرجات انتهى ثم قال إنه كلام مموه مختل من وجوه إلى آخر ما قاله .