تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مرآة الحقائق — صفحة 823

مساهمون:

ص٨٢٣
قلت : حفظني اللّه تعالى من عنفوان عمري عن إنكار شيء من أقوالكم وأفعالكم ؛ فإنه قيل : كل ما يصدر عن الواصل فهو شريعة ، فاعتقادي على أن كل ما يصدر منكم فهو شريعة جديدة ، قال تعالى :
لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهاجاً
[ المائدة : 49 ] وكيف لا نقبل هذه الشريعة الجديدة ؟ وقد فضّلنا اللّه بإرسالكم إلينا ، فتبسم حضرة الشيخ ، وقال : أنت من هذه الطريقة على حقيقة فلا نكتم منك شيئا . قلت : كلامكم معي من تربيتي فيجوز أن تكتموا ما فوقها ، وهو مرتبتكم ، فتبسم أيضا ، وقال : الواصل هو الحاصل عند اللّه ، وهو حقيقة الوصول وكل سالك إنما يتصور مرتبة الوصلة بقدر معرفته وحاله واستعداده ، وأمن له فوت ذلك ؛ فإن معنى الحصول لا يعرفه إلا من تحقق بهذه الرتبة ، وكثير من السلاك يحل له العلم والعرفان ، ولكن التحقق بالمقامات أمر آخر لا يتيسر إلا لواحد بعد واحد والمقصود هو المعرفة لا مجرد المعرفة . قال حضرة الشيخ : الإيمان هو اللّه تعالى ؛ لأنه اسم ، وقد أعلم اللّه في هذا الشتاء كفري على الحقيقة . قلت : هذا الكفر مما يغبط به أهل الإيمان قال اللّه سبحانه وتعالى :
فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ
[ البقرة : 256 ] فتبسم ، وقال : إن مرتبة الصلاح مرتبة عظمى ألا ترى إلى قوله تعالى :
وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ
[ الأعراف : 196 ] . قال حضرة الشيخ : لا يزول الابتلاء ما دام الإنسان في عالم الإمكان قال تعالى :
وَبَلَوْناهُمْ بِالْحَسَناتِ وَالسَّيِّئاتِ
[ الأعراف : 168 ] فكما أن الإمكان لا يزول فكذا الابتلاء لكن محله الدنيا فالإمكان لا يزول عن الممكن ولو كان في الجنة إلا أنه لا ابتلاء فيها ، فباطن الإنسان الكامل وإن كان على سير غير سير العوام لكنه في الظاهر دائرتهم ، فلذا يبتلى بما ابتلوا به من الأمراض والأوجاع والموت والحشر . جاء حضرة الشيخ إلى حجرتي التي عينها لي في داره العالية ، فجرى ما جرى من الصحبة ، ثم قال : هل لك مسواك ؟ قلت : نعم ، قال : إن لم يكن لك مسواك أعطيتك مسواكا رقيقا لطيفا يناسب ظرافتك ولطافتك ؛ فإني أستعمل غليظا . قلت : أعطوني فإني أتبرك به بل أوصى بأن يجعل في كفني بعد وفاتي تبركا ؛