والمشاهدة ، فاقتضت الحكمة الإلهية أن يبنى له في الجنة بمقابلته بيوت لطيفة ، هي محل التجليات الإلهية ، إذ الجزاء من جنس العمل ، ومماثل له ، وفيه إشارة إلى بناء بيوت القلوب ؛ فإن هذه البيوت أعظم من المساجد ؛ لأنها منظر الحق سبحانه ومسكنه .
على ما ورد في الخبر القدسي الداودي عليه السّلام : « فمن طيّب خواطر أهل اللّه ، وقلوب أولياء اللّه ؛ طيّب اللّه خاطره ، وعمّره بما لا يخطر بباله من أنواع التطيّب والعمارة » .
فالقلب بيت اللّه وعرشه وسريره « 1 » وهو من الجنان المعجّلة في الدنيا ، فطوبى لعامره وداخله ، وويل لنادمه والخارج .
وفيه رمز أيضا إلى أن بناء المسجد من المقامات الإبراهيمية عليه السّلام ؛ لأن الكعبة أول بيت وضع للناس في الآفاق ، كما أن القلب أول بيت وضع لهم في الأنفس .
وإنما جوزي إبراهيم بأمثال الكعبة في الملكوت من حيث إنه لم يكن طبقة من
هامش
( 1 ) القلب الذي قواه ربّانية ملكية تكشف وتبين الأحكام الحكمية الروحانية هو بيت اللّه المعمور في السماء ، والمرتبة السيادية ، والنفس البشرية التي في مداركها تظهر أعيان معاني تلك الأحكام ، وبقواها تصور أكوان صورها ، هي الكعبة التي على حيال البيت المعمور في الأرض التبعية .
وقال أيضا : القلب كتاب :كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمانَ[ المجادلة : 22 ] .
والقلب بيت الرب يزين فيه عرائس الإيمان ،وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ[ الحجرات : 7 ] ، والبيت سكن الساكن ، فالسكينة روح كونه سكنا ،هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدادُوا إِيماناً مَعَ إِيمانِهِمْ[ الفتح : 4 ] ،وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ[ المجادلة : 22 ] ، فالسكينة روح الخلافة الربّانية ، فصاحب البيت سلطان بيته ، ولذلك ما نزلت السكينة إلا حفّها الجنود ،فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ[ التوبة : 40 ] ،هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ[ الفتح : 4 ] إلى قوله :وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً[ الفتح : 4 ] .
فهي روح العلم والحكمة الإلهية الربّانية ، فالطمأنينة استواء القلب حتى صار مستوى ، والسكينة استواء ساكنه عليه ، والاستواء هو الظهور التام في كل مقام بحسبه ، وباستواء الساكن يحيا السكن ، حتى قيل : وإنما الناس نفوس الديار .