تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مرآة الحقائق — صفحة 540

مساهمون:

ص٥٤٠
تشعبت الراحات في الآخرة ، وقد خلق اللّه الجنان على طبقات مختلفة ؛ مراعاة لمقامات أهاليها ، ومحافظة على أحوال ساكنيها ، فيا أعظم سعادة للأعالي ، ويا أفضل سيادة للموالي ، فمن تحرّكت نفسه ؛ فلتتحرك إلى المعالي ، فإن تلك الحركة من علو الهمة لا كامل الأهالي ، واللّه العالي ، وإليه رجوعي في مصعدي ، وعليه اتّكالي . ثم لمّا كانت حال الآخرة على طبق حال الدنيا في بعض الصور ؛ كالشفاعة كالترقيات الجليّة ، والعفو عن الجرائم العظيمة ؛ كان من خصّ الشفاعة النبوية في الآخرة بالترقيات ، وزيادة الثوبات ؛ جاهلا عن أسرار التنزّلات والمنازلات ؛ فقد يصعد العبد إلى ربه ، وقد ينزل الرب إلى عبده . وقد قال : « ألا تحبون أن يغفر اللّه لكم » « 1 » ، فقد علّق مغفرته لمغفرة الناس بعضهم لبعض ، وقد كانت الأسماء الجمالية اقتضت سعادات العباد دنيا وآخرة ، فمن سعادة وقعت في الدنيا بالشفاعة العظمى ، ومن سعادة وقعت في الآخرة بها ، وآخر الشفعاء أرحم الراحمين ولا يعرفه إلا الكبراء من العارفين المحققين .

30 - في الحديث : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « إن الشيطان إذا سمع النداء بالصلاة ذهب حتى يكون بالروحاء » « 2 » :

الروحاء : موضع بينه وبين المدينة المنورة ستة وثلاثون ميلا على أن يكون كل ميلين منها ساعة نجومية ؛ فيكون المجموعة من الأميال ثماني عشرة ساعة ؛ هي مدة السفر عند الإمام أبي حنيفة رحمه اللّه ، يعني : إن الشيطان المأخوذ من البعد إذا سمع الآذان بالمدينة أبعد إلى مدة السفر ؛ ليستريح من الألم كما دلّ عليه لفظ الروحاء . وفيه إشارة إلى من خرج عن مجلس العلم ، ولو خطوة ؛ فإنه كمن سافر منه إلى مدة السفر ، إذ لم يخرج إلا لراحته الطبيعية ، وبين الراحة الطبيعية ، والراحة القلبية بون بعيد ، فسحقا لأصحاب السعير ، وبعدا للقوم الظالمين ؛ لأنهم ظلموا أنفسهم بالبعد عن مجلس العلم ؛ فأبعدهم اللّه تعالى عن المعلوم الحقيقي الذي هو ذاته تعالى ،
هامش
( 1 ) رواه البخاري ( 2 / 945 ) ، ومسلم ( 4 / 2136 ) . ( 2 ) رواه أحمد ( 3 / 316 ) ، والبيهقي في الكبرى ( 1 / 432 ) .