تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير روح البيان — صفحة 172

مساهمون:

ص١٧٢
أربعمائة كما في العوارف وقد يقال من الآدميين وغيرهم فلا مخالفة دعا على من عدا من ذكر باستئصال العذاب لهم فكان الطوفان الذي كان به هلاك جميع أهل الأرض الا من آمن ولو لم يكن مرسلا إليهم ما دعا عليهم بسبب مخالفتهم له في عبادة الأصنام لقوله تعالى وما كنا معذبين اى في الدنيا حتى نبعث رسولا وقول بعض المفسرين أرسل إلى آل قابيل لا ينافي ما ذكر لأنه يجوز أن يكون آل قابيل أكثر أهل الأرض وقتئذ وقد ثبت ان نوحا عليه السلام أول الرسل اى لمن يعبد الأصنام لان عبادة الأصنام أول ما حدثت في قومه وأرسله اللّه إليهم ينهاهم عن ذلك وحينئذ لا يخالف كون أول الرسل آدم أرسله اللّه إلى أولاده بالايمان به تعالى وتعليم شرائعه فان قلت إذا كانت رسالة نوح عامة لجميع أهل الأرض كانت مساوية لرسالة نبينا عليه السلام قلت رسالة نوح عليه السلام عامة لجميع أهل الأرض في زمنه ورسالة نبينا محمد عليه السلام عامة لجميع من في زمنه ومن يوجد بعد زمنه إلى يوم القيامة فلا مساواة وحينئذ يسقط السؤال وهو أنه لم يبق بعد الطوفان الا مؤمن فصارت رسالة نوح عامة ويسقط جواب الحافظ ابن حجر عنه بأن هذا العموم الذي حصل بعد الطوفان لم يكن من أصل بعثته بل طرأ بعد الطوفان بخلاف رسالة نبينا عليه السلام
أَنْ
اى
أَنْذِرْ قَوْمَكَ
خوفهم بالنار على عبادة الأصنام كي ينتهوا عن الشرك ويؤمنوا باللّه وحده فان مفسرة لما في الإرسال من معنى القول ويجوز أن تكون مصدرية حذف منها الجار وأوصل إليها الفعل اى بأن أنذرهم وجعلت صلتها امرا كما في قوله تعالى وأن أقم وجهك لان مدار وصلها بصيغ الافعال دلالتها على المصدر وذلك لا يختلف بالخبرية والانشائية ووجوب كون الصلة خبرية في الموصول الأسمى انما هو للتوصل إلى وصف المعارف بالجمل وهي لا توصف الا بالجمل الخبرية وليس الموصول الحرفي كذلك وحيث استوى الخبر والإنشاء في الدلالة على المصدر استويا في صحة الوصل بها فيتجرد عند ذلك كل منهما عن المعنى الخاص بصيغته فيبقى الحدث المجرد عن معنى الأمر والنهى والمضي والاستقبال كأنه قيل أرسلناه بالإنذار كذا في الإرشاد وقال بعض العارفين الأنبياء والأولياء في درجات القرب على تفاوت فبعضهم يخرج من نور الجلال وبعضهم من نور الجمال وبعضهم من نور العظمة وبعضهم من نور الكبرياء فمن خرج من نور الجمال أورث قومه البسط والانس ومن خرج من نور العظمة أورث قومه الهيبة والجلال وكان نوح مشكاة نور عظمة اللّه ولذلك أرسله إلى قومه بالإنذار فلما عصوه أخذهم بالقهر
مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَهُمْ
من اللّه تعالى
عَذابٌ أَلِيمٌ
عاجل كالطوفان والغرق أو آجل كعذاب لآخرة لئلا يبقى لهم عذرما أصلا كما قال تعالى لئلا يكون للناس على اللّه حجة بعد الرسل والأليم بمعنى المؤلم أو المتألم مبالغة والألم جسماني وروحاني والثاني أشد كأنه قيل فما فعل نوح عليه السلام فقيل
قالَ
لهم
يا قَوْمِ
اى كروه من وأصله يا قومي خاطبهم بإظهار الشفقة عليهم وإرادة الخير لهم وتطبيبا لهم
إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ
منذر من عاقبة الكفر والمعاصي وأفرد الانذار مع كونه بشيرا أيضا لان الانذار أقوى في تأثير الدعوة لما ان أكثر الناس يطيعون أولا بالخوف من القهر وثانيا بالطمع في العطاء وأقلهم يطيعون