كذا فانطلق أبوه فاخذه من ذلك المكان وحفر له سربا اى بيتا في الأرض كالمغارة فواراه فيه وسد عليه بابه بصخرة مخافة السباع وكانت أمه تختلف اليه فترضعه وكان اليوم على إبراهيم في الشباب والقوة كالشهر في حق سائر الصبيان والشهر كالسنة فلم يمكث إبراهيم في المغارة الا خمسة عشر شهرا أو سبع سنين أو أكثر من ذلك فلما شب إبراهيم في السرب قال لامه من ربى قالت انا قال فمن ربك قالت أبوك قال فمن رب أبى قالت اسكت ثم رجعت إلى زوجها فقالت أرأيت الغلام الذي كنا نحدث انه يغير دين أهل الأرض فإنه ابنك ثم أخبرته بما قال فاتى أبوه آزر وقال له إبراهيم يا أبتاه من ربى قال أمك قال فمن رب أمي قال انا قال فمن ربك قال النمرود قال فمن رب النمرود فلطمه لطمة وقال له اسكت فلما جن عليه الليل دنا من باب السرب فنظر من خلال الصخرة فرأى السماء وما فيها من الكواكب فتفكر في خلق السماوات والأرض فقال ان الذين خلقني ورزقني وأطعمني وسقاني ربى الذي مالي اله غيره ثم نظر في السماء فرأى كوكبا قال هذا ربى ثم اتبعه بصره ينظر اليه حتى غاب فلما أفل قال لا أحب الآفلين ثم رأى القمر ثم الشمس فقال فيهما كما قال في حق الكواكب * ثم إنهم اختلفوا في قوله ذلك فاجراه بعضهم على الظاهر وقالوا كان إبراهيم في ذلك الوقت مسترشدا طالبا للتوحيد حتى وفقه اللّه اليه وأرشده فلم يضره ذلك في الاستدلال وأيضا كان ذلك في حال طفوليته قبل ان يجرى عليه القلم فلم يكن كفرا وأنكر الآخرون هذا القول وقالوا كيف يتصور من مثله ان يرى كوكبا ويقول هذا ربى معتقدا فهذا لا يكون ابدا ثم أولوا قوله ذلك بوجوه مذكورة في سورة الأنعام للامام محيى السنة * والحاصل ان إبراهيم مستسلم للرب الكريم وانه على الصراط المستقيم لا يرغب عن طريقته الا من سفه نفسه اى لم يتفكر فيها كما تفكر إبراهيم في الأنفس والآفاق قال تعالى
وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَ فَلا تُبْصِرُونَ
والسفاهة الجهل وضعف الرأي وكل سفيه جاهل وذلك ان من عبد غير اللّه فقد جهل نفسه لأنه لم يعرف اللّه خالقها وقد جاء في الحديث ( من عرف نفسه فقد عرف ربه ) وفي الاخبار ( ان اللّه تعالى أوحى إلى داود اعرف نفسك بالضعف والعجز والفناء وأعرفني بالقوة والقدرة والبقاء ) : وفي المثنوى
چيست تعظيم خدا افراشتن * خويشتن را خاك وخوارى داشتن [ 2 ]
چيست توحيد خدا آموختن * خويشتن را پيش واحد سوختن
هستيت در هست آن هستى نواز * همچو مس در كيميا اندر گداز
جمله معشوقست وعاشق پردهء * زنده معشوقست وعاشق مردهء [ 3 ]
وَوَصَّى
لما كمل إبراهيم عليه السلام في نفسه كمل غيره بالتوصية وهو تقديم ما فيه خير وصلاح من قول أو فعل إلى الغير على وجه التفضل والإحسان سواء كان امرا دينيا أو دنيويا
بِها
اى بالملة المذكورة في قوله تعالى
وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْراهِيمَ
إِبْراهِيمُ بَنِيهِ
اى أولاده الذكور الثمانية عند البعض إسماعيل وأمه هاجر القبطية واسحق وأمه سارة وستة أمهم قنطورا بنت يقطن الكنعانية تزوجها إبراهيم بعد وفاة سارة وهم مدين ومداين وزمران ويقشان ويشبق ونوخ
وَيَعْقُوبُ
رفع عطف على إبراهيم اى وصى يعقوب