تعالى :
إِنَّكُمْ ماكِثُونَ
[ 43 / 77 ]
اخْسَؤُا فِيها وَلا تُكَلِّمُونِ
[ 23 / 108 ] فلما يئسوا وطئوا أنفسهم على العذاب والمكث على ممر السنين والأحقاب ، وتعللوا بالأعذار ، ومالوا إلى الاصطبار وقالوا :
سَواءٌ عَلَيْنا أَ جَزِعْنا أَمْ صَبَرْنا ما لَنا مِنْ مَحِيصٍ
[ 14 / 21 ] .
فإن قلت : كيف حكم اللّه على الحياة الدنيا بأنها لهو ولعب - أي باطل موهوم لا حقيقة لها مع أنها ثابته في الواقع والثابت في الواقع لا يكون باطلا موهوما ؟
قلنا : يمكن الجواب من هذا بحسب جليل النظر إنه ليس المراد مما ذكره سبحانه إن الحياة الدنيا التي هي القوة على الحس والحركة أمر موهوم ، إذ لا شك في أنها أمر ثابت في بعض الأوقات - وإن لم يكن دائميا - بل الغرض منه إن هذه الحياة ليست حقيقية يمكن ثبوتها في حق الإنسان بما هو إنسان - أي ذو جوهر روحاني هو محل معرفة اللّه - لأن حياته حيوة علمية نطقية اخراوية - والحياة الحسية الدنياوية هي حيوة تتصف بها الحيوانات بما هي حيوان - أي ذو جوهر حساس - وإذا اتصف بها الإنسان في بعض الأوقات فإنما يكون بما هو به حيوان ، لا بما هو به إنسان .
فاتصاف الإنسان بتلك الحياة الحسية باعتبار أن له قلبا حقيقيا هو محل معرفة اللّه أمر وهمي ، إذ لا وجود لها للإنسان إلا مجازا لعلاقة الارتباط بين حقيقة الإنسان - الذي هو روحه المشار إليها ب « أنا » - والجسد الحيواني الواقع تحت جنس الحيوان عند أخذه لا بشرط شيء أي بالاعتبار الذي به حيوان - لا بما هو به بنية ومادة 129 - وقد تبيّن الفرق بينهما في علم الميزان 130 .
ويمكن أن يقال بحسب دقيق النظر : إن المراد من الحياة الدنيا نفس الإدراك الحسي للأمور الدنياوية - تسمية للشيء باسم ما ينبعث عنه ويتمّ به - فإن الحياة الحيوانية إنما يتم بالحس والحركة . وغاية الحركة أيضا هو الحس في غير الإنسان .
والإحساس بالشيء لا يتم 131 إلا بالتوهم والتخيل ، والموهوم أو المتخيل بما هو موهوم أو متخيل لا وجود له في الخارج - بل في الذهن - وكل مالا وجود له في الخارج 132