وإما لكدورة في المرآة - كالأبصار التي عليها غشاوة - وهذا مثال نفوس العصاة من الناس الذين على قلوبهم وعلى أبصارهم غشاوة . أي على عقولهم وعلى أبصارهم التي بها يحصل معرفة اللّه وملكوته غشاوة المعاصي والشهوات التي بها يقع الحجاب من شهود معرفته تعالى .
وإما لاعوجاج وانكسار في المرآة تقع الصورة فيها على خلاف ما هو الواقع - كما في الحول وغيرها من الأمراض العينيّة التي يقع بسببها الغلط في رؤية ما يتنوّر بنور الشمس من حقائق الأجسام - وهذا مثال نفوس الجاحدين للحق ، المتعصبين لمذاهب تقليديّة رسخت في نفوسهم من أول الأمر بحيث لا يمكن زوالها أصلا ، فتظهر لبصيرتهم الحولاء وفطنتهم العوجاء صور الحقائق المستنيرة بنور اللّه تعالى على خلاف ما هي عليها ، وإلا فالحق متجلّ على كل شيء .
كقوله - وهو أصدق القائلين - :
وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ
[ 50 / 16 ] .
و
في الحديث النبوي صلى اللّه عليه وآله وسلم : إنه تعالى فوق كل شيء وتحت كل شيء وقد ملاء كل شيء عظمته فلم يخل منه أرض ولا سماء ولا بحر ولا برّ ولا هواء ، هو الأول لم يكن قبله شيء ، وهو الآخر ليس بعده شيء ، وهو الظاهر ليس فوقه شيء 73 ، وهو الباطن ليس دونه شيء فلو دلّي على الأرض السفلى لهبط على اللّه . « 1 »
وفي طريق أهل البيت عليهم السّلام أحاديث كثيرة متقاربة المعنى قريبة من معنى هذا ، وكذا حديث قرب النوافل . 74
وقد روي عن موسى - على نبينا وآله وعليه السلام - : أقريب أنت فأناجيك أم بعيد فأناديك ؟ فانّي أحس حسن صوتك ولا أريك فأين أنت ؟
فقال اللّه : أنا خلفك وأمامك ، وعن يمينك وشمالك ، أنا جليس عند من
هامش
( 1 ) جاء ما يقرب منه في الدر المنثور : 6 / 170 . والترمذي : كتاب التفسير ، سورة الحديد :
5 / 403 .