فمن كان حاله ما وصفناه فلا يحتاج إلى التقريرات النظريّة وتكرير المقدمات المتداولة الجمهوريّة التي أكبّ عليها أهل الاشتهار ، لأنها ممّا وقع عليها له المرور في أوائل التحصيل والانزعاج من المقام قبل أن وقع في الطريق المستقيم إلى اللّه الملك العلّام ، لقوله :
إِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وارِدُها كانَ عَلى رَبِّكَ حَتْماً مَقْضِيًّا * ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيها جِثِيًّا
[ 19 / 72 ] .
وهكذا كان حال شيخ السالكين إلى اللّه الجليل إبراهيم الخليل - على نبيّنا وآله وعليه السلام - حيث اشتغل أوّلا بصفة المحاجّة على الحقّ والمجادلة عليه مع قومه :
أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْراهِيمَ
الآية [ 2 / 258 ] ثم أخذ في طريق البرهان والكشف الذي حال السالك في نفسه - لا بالقياس إلى غيره - فوقع له المرور على مراتب الوجود حتّى وصل بعد التجاوز عنها إلى الحق المعبود قائلا :
[ وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ ]
الآية [ 6 / 79 ] .
فهو إمّا مشارك مطّلع يعرف صحّة ما يخبر به بما عنده من النور الذي يسعى بين أيديهم وبأيمانهم ، وإمّا مؤمن صحيح الفطرة صافي الايمان يشعر بصحّة ما سمع من وراء ستر رقيق ، لكونه مستعدّا للكشف ، متهيّئا للتلقّي ، منتفعا بما يسمع ، مرتقيا بنور الايمان إلى مقام البيان فلهذا وقع منّا الاكتفاء بالتنبيه والتلويح ورجّحناهما على البسط والتصريح ، تأسّيا لما رجّحه اللّه تعالى واختاره في كلامه المتين ، واقتداء بما أمر به سيّد المرسلين صلوات اللّه عليه وآله أجمعين حيث قال :
قُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شاءَ فَلْيَكْفُرْ
[ 18 / 29 ] .
ولم يأمره بإقامة المعجزة وإظهار الحجّة على كل ما يأتي به ويخبر عنه