وقد ذمّ اللّه تعالى الناقصين الذين ليس لهم درجة المكالمة الباطنية مع الحقّ لكونهم في مرتبة الحيوان الأعجمى بقوله :
لا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ
[ 3 / 77 ] ومدح رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله خواصّ امّته وأوليائهم وحكمائهم بأنّهم محدّثون مكلّمون .
وليس المراد من هذا التكلّم والتحدّث ما يكون بالحديث الظاهري والكلام الحسّي - الذي آلته جرم أحمر لحميّ مركّب من الأخلاط ، فإنه من الدّنيا ولا يكون شيء من الدنيا ممدوحا ولا محبوبا إلا بقدر ما يعبر به ويجعل الزاد للآخرة فإنها طريق الآخرة ، بل الدنيا وما فيها مبغوضة ممقوتة ملعونة عند اللّه وعند أوليائه كما
قال صلّى اللّه عليه وآله « 1 » : « الدنيا ملعونة ، ملعون ما فيها »
وقوله صلّى اللّه عليه وآله « 2 » : « حبّ الدنيا رأس كل خطيئة »
- .
إنما المراد من المكالمة في قول اللّه
لا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ
وفي
قول رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله : « انّهم محدّثون مكلّمون »
المكالمة الحقيقية بين اللّه وبين خواصّ عباده ، وهي الإفاضات العلميّة المتواردة من الحقّ في المقاصد الربوبيّة عقيب التأمّلات القدسيّة الاستعدادية من العبد في المطالب الحكميّة الايمانيّة بتوسّط بعض ملائكة اللّه العقليّة ، إمّا صريحا مشاهدا في عالم المشاهدة البصرية والسمعية كما للأنبياء ، أولا - كما لغيرهم .
أو لا ترى أن معنى « التكلّم » في حقّه تعالى - عند أصحابنا الإماميين رضوان اللّه عليهم - هو إيجاد القرآن أوّلا في قلب جبرئيل عند نزوله في السماء الدنيا ثمّ منه على قلب رسول اللّه ، صلّى اللّه عليه وآله ، ومنه إلى قلوب حكماء امّته ، فالإشارة في هذه الآية أن مثل الذين كفروا الآن كان في الحقيقة وفي عالم الأرواح عند عهد
هامش
( 1 ) الجامع الصغير : 2 / 17 .
( 2 ) الجامع الصغير : 1 / 146 .