مِنَ السَّماءِ مِنْ جِبالٍ فِيها مِنْ بَرَدٍ
[ 24 / 43 ] لأنّ أسباب هذه الأمور منبعثة من عالم السماء .
واعلم إنّ العلم بحقائق الموجودات بعضها فوق بعض ، وكذا العلماء بحسبها ذوي درجات متفاضلة متعالية ، كما قال تعالى :
وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ
[ 12 / 77 ] وقال :
وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ
[ 6 / 165 ] .
مثاله إنّ الطبيعي والحكيم قد يتشاركان في النظر في كثير من الأشياء ؛ لكن الطبيعي يأخذ الأوسط في حجتّه من الطبيعة السارية في الأجسام بأمر اللّه ، والحكيم يأخذ العلّة من العالم العلوي والمفارق المحض والعلّة الغائيّة التي هي الخير الأعلى والعلّة القصوى للوجود ، فالطبيعي يعطي برهانا لمّيا ما دامت المادّة القابلة والطبيعة الفاعلة موجودتين ، والحكيم يعطى البرهان اللمّي مطلقا .
وبالجملة فإذا اعطى البرهان من الأسباب المقارنة ، كان من العلم الأسفل ، وإن اعطى من العلل المفارقة العالية كان من العلم الأعلى ، والعلل المقارنة هي الهيولى والصورة والعلل المفارقة هي الفاعل والغاية .
وأمّا العارف المتألّه فنظره أدقّ وأبصر ، وعلمه أعلى وأشرف من جميع العلوم حيث يقع نظره في معرفة كلّ الأشياء إلى الحقّ الأول ، ويأخذ علّة مقاصده ووسط براهينه من أسماء اللّه الحسنى وآياته الكبرى وليس لغيرهم هذا الشأن ولا برهانهم هذا البرهان ، وأكثر الناس مقصور النظر إمّا على عالم الشهادة كالظاهريين أو على عالم الباطن كالباطنيين وكلاهما ينظران بالعين العوراء مثال ذلك العلم بمنشإ الرعد والبرق .
فالرعد هو الصوت الذي يسمع من السحاب كأنّ أجرام السحاب تصطدم وتضطرب وترتعد إذا جذبها الريح فتصوّت عند ذلك من الارتعاد ، والبرق : الذي يلمع من السحاب ، من برق الشيء بريقا . واللفظان مصدران في الأصل ولذلك لم يجمعا .