تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير ) — صفحة 612

مساهمون:

ص٦١٢
المحسن إليك بكل جميل
سَوْطَ ،
أي : نوع
عَذابٍ
وقال قتادة : يعني ألوانا من العذاب صبه عليهم ، وقال أهل المعاني هذا على الاستعارة لأن السوط عندهم غاية العذاب . وقال الفراء : هي كلمة تقولها العرب لكل نوع من أنواع العذاب ، وأصل ذلك أنّ السوط هو عذابهم الذي يعذبون به فجرى إلى كلّ عذاب إذا كان فيه غاية العذاب . وقال الزجاج : جعل سوطهم الذي ضربهم به العذاب . وعن الحسن أنه كان إذا أتى على هذه الآية قال : إنّ الله تعالى عنده أسواط كثيرة فأخذهم بسوط منها . وقال قتادة : كل شيء عذب الله تعالى به فهو سوط ، وشبه بصب السوط الذي يتواتر على المضروب فيهلكه .
إِنَّ رَبَّكَ ،
أي : المحسن إليك بالرسالة
لَبِالْمِرْصادِ ،
أي : يرصد أعمال العباد لا يفوته منها شيء ليجازيهم عليها والمرصاد المكان الذي يترقب فيه الرصد ، مفعال من رصده كالميقات من وقته ، وهذا مثل لإرصاد العصاة بالعقاب وأنهم لا يفوتونه . وعن بعض العرب أنه قيل له : أين ربك ؟ فقال : بالمرصاد . وعن عمرو بن عبيد أنه قرأ هذه السورة عند المنصور حتى بلغ هذه فقال :
إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصادِ
يا أبا جعفر عرّض له في هذا النداء بأنه بعض من توعده بذلك من الجبابرة . قال الزمخشري : فلله دره ، أي : أسد فراس كان بين ثوبيه يدق الظلمة بإنكاره ويقصع أهل الأهواء والبدع باحتجاجه .

[ سورة الفجر ( 89 ) : الآيات 15 إلى 30 ]

فَأَمَّا الْإِنْسانُ إِذا مَا ابْتَلاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ ( 15 ) وَأَمَّا إِذا مَا ابْتَلاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهانَنِ ( 16 ) كَلاَّ بَلْ لا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ ( 17 ) وَلا تَحَاضُّونَ عَلى طَعامِ الْمِسْكِينِ ( 18 ) وَتَأْكُلُونَ التُّراثَ أَكْلاً لَمًّا ( 19 ) وَتُحِبُّونَ الْمالَ حُبًّا جَمًّا ( 20 ) كَلاَّ إِذا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا ( 21 ) وَجاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا ( 22 ) وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرى ( 23 ) يَقُولُ يا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَياتِي ( 24 ) فَيَوْمَئِذٍ لا يُعَذِّبُ عَذابَهُ أَحَدٌ ( 25 ) وَلا يُوثِقُ وَثاقَهُ أَحَدٌ ( 26 ) يا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ( 27 ) ارْجِعِي إِلى رَبِّكِ راضِيَةً مَرْضِيَّةً ( 28 ) فَادْخُلِي فِي عِبادِي ( 29 ) وَادْخُلِي جَنَّتِي ( 30 ) وقوله تعالى :
فَأَمَّا الْإِنْسانُ
متصل بقوله تعالى :
إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصادِ
فكأنه قيل : إنّ الله تعالى يريد من الإنسان الطاعة والسعي للعاقبة ، وهو لا يهمه إلا العاجلة وما يلذه وينعمه فيها
إِذا مَا ابْتَلاهُ ،
أي : اختبره بالنعمة
رَبُّهُ ،
أي : الذي أبدعه وأحسن إليه بما يحفظ وجوده ليظهر شكره أو كفره
فَأَكْرَمَهُ ،
أي : جعله عزيزا بين الناس وأعطاه ما يكرمونه به من الجاه والمال
وَنَعَّمَهُ ،
أي : جعله متلذذا مترفها بما وسع الله تعالى عليه . وقوله تعالى :
فَيَقُولُ ،
أي : سرورا بذلك افتخارا
رَبِّي أَكْرَمَنِ ،
أي : فضلني بما أعطاني خبر المبتدأ الذي هو الإنسان ، ودخول الفاء لما في أمّا من معنى الشرط ، والظرف المتوسط بين المبتدأ والخبر في تقدير التأخير ، كأنه قيل : فأما الإنسان فقائل ربي أكرمن وقت الابتداء بالإنعام فيظن أنّ ذلك عن استحقاق فيرتفع به . وكذا قوله تعالى :
وَأَمَّا إِذا مَا ابْتَلاهُ فَقَدَرَ ،
أي : ضيق
عَلَيْهِ رِزْقَهُ
التقدير وأما الإنسان إذا ما ابتلاه ربه ، أي : بالفقر ليوازي قسيمه
فَيَقُولُ ،
أي : الإنسان بسبب الضيق
رَبِّي أَهانَنِ
فيهتم لذلك ويضيق به ذرعا ويكون أكبر همه ، وهذا في حق الكافر لقصور نظره وسوء فكره فيرى