[ سورة الإنسان ( 76 ) : الآيات 16 إلى 18 ]
قَوارِيرَا مِنْ فِضَّةٍ قَدَّرُوها تَقْدِيراً ( 16 ) وَيُسْقَوْنَ فِيها كَأْساً كانَ مِزاجُها زَنْجَبِيلاً ( 17 ) عَيْناً فِيها تُسَمَّى سَلْسَبِيلاً ( 18 )
ولما ذكر جزاءهم ذكر وصفهم الذي يستحقون عليه ذلك بقوله تعالى :
يُوفُونَ بِالنَّذْرِ
وهذا يجوز أن يكون مستأنفا ويجوز أن يكون خبرا لكان مضمرة . قال الفراء : التقدير : كانوا يوفون بالنذر في الدنيا وكانوا يخافون . وقال الزمخشري : يوفون جواب من عسى يقول : ما لهم يرزقون ذلك . قال أبو حيان : واستعمل عسى صلة لمن وهو لا يجوز ، وأتى بالمضارع بعد عسى غير مقرون بأن وهو قليل أو في الشعر ، والوفاء بالنذر مبالغة في وصفهم بالتوفر على أداء الواجبات لأنّ من وفّى بما أوجبه هو على نفسه لوجه الله تعالى كان بما أوجبه الله تعالى عليه أوفى ، وقال الكلبي :
يُوفُونَ بِالنَّذْرِ
أي : يتممون العهود لقوله تعالى :
وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ
[ النحل : 91 ]
أَوْفُوا بِالْعُقُودِ
[ المائدة : 1 ] أمروا بالوفاء بها لأنهم عقدوها على أنفسهم باعتقادهم الإيمان . قال القرطبي : والنذر حقيقة ما أوجبه المكلف على نفسه من شيء يفعله ، وإن شئت قلت في حدّه : هو إيجاب المكلف على نفسه من الطاعات ما لو لم يوجبه لم يلزمه . وروي أنه صلى اللّه عليه وسلم قال : « من نذر أن يطيع الله فليطعه ، ومن نذر أن يعصيه فلا يعصه » « 1 » .
ولما دل وفاؤهم على سلامة طباعهم قال تعالى عاطفا دلالة على جمعهم للأمرين المتعاطفين ، فهم يفعلون الوفاء لا لأجل شيء بل لكرم الطبع .
وَيَخافُونَ
أي : مع فعلهم للواجبات
يَوْماً
قال ابن عبد السلام : شرّ يوم أو أهوال يوم
كانَ
أي : كونا هو في جبلته
شَرُّهُ
أي : ما فيه من الشدائد
مُسْتَطِيراً
أي : فاشيا منتشرا غاية الانتشار من استطار الحريق والفجر وهو أبلغ من طار . وقال قتادة رضي الله عنه : كان شرّه فاشيا في السماوات فانشقت وتناثرت الكواكب وكوّرت الشمس والقمر وفزعت الملائكة ونسفت الجبال وغارت المياه وتكسر كل شيء على الأرض من جبل وبناء ، وفي ذلك إشعار بحسن عقيدتهم وإحسانهم واجتنابهم عن المعاصي فإن الخوف أدل دليل على عمارة الباطن ، قالوا : ما فارق الخوف قلبا إلا خرب ، ومن خاف أدلج ومن أدلج بلغ المنزل .
فإن قيل : لم قال تعالى :
كانَ شَرُّهُ
ولم يقل سيكون ؟ أجيب : بأنه كقوله تعالى :
أَتى أَمْرُ اللَّهِ
[ النحل : 1 ] فبما قيل في ذاك يقال هنا .
وَيُطْعِمُونَ الطَّعامَ
أي : على حسب ما يتيسر لهم من عال ودون ، وقوله تعالى :
عَلى حُبِّهِ
حال إما من الطعام أي : كائنين على حبهم إياه فهو في غاية المكنة منهم والاستعلاء على قلوبهم لقلته وشهوتهم له وحاجتهم إليه ، كما قال تعالى :
لَنْ تَنالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ
[ آل عمران : 92 ] ليفهم أنهم للفضل أشدّ بذلا ، ولهذا قال صلى اللّه عليه وسلم في حق الصحابة رضي الله عنهم : « لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهبا ما بلغ مدّ أحدهم ولا نصيفه » « 2 » لقلة الموجود إذ ذاك وكثرته بعد ، وإما
هامش
( 1 ) أخرجه البخاري في الأيمان والنذور حديث 6700 ، وأبو داود في الأيمان والنذور حديث 3289 ، والترمذي في النذور والأيمان حديث 1526 ، والنسائي في الأيمان والنذور حديث 3806 ، وابن ماجة في الكفارات حديث 2126 .
( 2 ) أخرجه البخاري في فضائل الصحابة باب 5 ، ومسلم في فضائل الصحابة حديث 221 ، 222 ، وأبو داود في السنة باب 10 ، والترمذي في المناقب باب 58 ، وابن ماجة في المقدمة باب 11 ، وأحمد في المسند 3 / 11 ، 54 .