تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير ) — صفحة 489

مساهمون:

ص٤٨٩
رضي الله عنه : معرضين عن القرآن من وجهين : أحدهما : الجحود والإنكار ، والثاني : ترك العمل بما فيه ، وقيل : المراد بالتذكرة العظة بالقرآن وغيره من المواعظ ومعرضين حال من الضمير في الجار الواقع خبرا عن ما الاستفهامية ، ومثل هذه الحال تسمى حالا لازمة ، وعن التذكرة متعلق به ، أي : أيّ شيء حصل لهم في إعراضهم عن الاتعاظ .
كَأَنَّهُمْ
في إعراضهم عن التذكرة من شدة النفر
حُمُرٌ
أي : من حمر الوحش وهي أشد الأشياء نفارا ، ولذلك كان أكثر تشبيهات العرب في وصف الإبل بسرعة السير بالحمر في عدوها إذا وردت ماء فأحست بما يريبها
مُسْتَنْفِرَةٌ
أي : موجدة للنفار بغاية الرغبة حتى كأنها تطلبه من أنفسها لأنه شأنها وطبعها ، وقرأ ابن عامر ونافع بفتح الفاء على أنه اسم مفعول أي : نفرها القناص والباقون بكسرها بمعنى نافرة .
فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ
قال مجاهد رضي الله عنه : هي جماعة الرماة الذين يتصيدونها لا واحد له من لفظه ، وهي رواية عن ابن عباس رضي الله عنهما وقال سعيد بن جبير رضي الله عنه : هو القناص ، وعن زيد بن أسلم : فريق من رجال أقوياء . وكل ضخم شديد عند العرب قسور وقسورة ، وعن أبي المتوكل هي لغط القوم وأصواتهم . وروى عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما ، قال : حبال الصيادين . وقال أبو هريرة رضي الله عنه : هي الأسد ، وهو قول عطاء والكلبي ، وذلك أن الحمر الوحشية إذا عاينت الأسد هربت ، كذلك هؤلاء المشركون إذا سمعوا النبيّ صلى اللّه عليه وسلم يقرأ القرآن هربوا ، وعن عكرمة رضي الله عنه ظلمة الليل ويقال لسواد الليل قسورة ، وفي تشبيههم بالحمر مذمّة ظاهرة وتهجين لحالهم بين كما في قوله تعالى
كَمَثَلِ الْحِمارِ يَحْمِلُ أَسْفاراً
[ الجمعة : 5 ] شهادة عليهم بالبله وقلة العقل . ولما كان الجواب قطعا لا شيء لهم في إعراضهم هذا أضرب عنه بقوله تعالى :
بَلْ يُرِيدُ
أي : على دعواهم في زعمهم
كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ
أي : المعرضين من ادّعائه الكمال في المروءة
أَنْ يُؤْتى
أي : من السماء
صُحُفاً
أي : قراطيس مكتوبة
مُنَشَّرَةً
أي : مفتوحة ، وذلك أنّ أبا جهل وجماعة من قريش قالوا : يا محمد لن نؤمن بك حتى تأتي كل واحد منا بكتاب من السماء عنوانه : من ربّ العالمين إلى فلان ابن فلان ونؤمر فيه باتباعك ونظيره
وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنا كِتاباً نَقْرَؤُهُ
[ الإسراء : 93 ] وعن ابن عباس رضي الله عنهما كانوا يقولون : إن كان محمد صادقا ليصبح عند رأس كل واحد منا صحيفة فيها براءته من النار . وقال الكلبي رضي الله عنه : إن المشركين قالوا : يا محمد بلغنا أنّ الرجل من بني إسرائيل كان يصبح مكتوبا عند رأسه ذنبه وكفارته فائتنا بمثل ذلك . وقالوا : إذا كانت ذنوب الإنسان تكتب عليه ، فما لنا لا نرى ذلك . قال البغوي : والصحف جمع الصحيفة ومنشرة منشورة . قال الله تعالى :
كَلَّا
أي : لا يؤتون الصحف . وقيل : حقا قال البغوي : وكل ما ورد عليك منه فهذا وجهه . قال ابن عادل : والأول أجود لأنه ردّ لقولهم . ثم بين تعالى سبب إعراضهم بقوله تعالى :
بَلْ لا يَخافُونَ
أي : في زمن من الأزمان
الْآخِرَةَ
فهذا هو السبب في إعراضهم . وقوله تعالى :
كَلَّا
استفتاح قاله الجلال المحلي . وقال البيضاوي : ردع عن إعراضهم . وقال البغوي وتبعه ابن عادل : حقا
إِنَّهُ
أي : القرآن
تَذْكِرَةٌ
أي : عظيمة توجب إيجابا عظيما
تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير ) — صفحة 489 | الخطيب الشربيني / إبراهيم شمس الدين