[ سورة الحاقة ( 69 ) : الآيات 32 إلى 52 ]
ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُها سَبْعُونَ ذِراعاً فَاسْلُكُوهُ ( 32 ) إِنَّهُ كانَ لا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ ( 33 ) وَلا يَحُضُّ عَلى طَعامِ الْمِسْكِينِ ( 34 ) فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ هاهُنا حَمِيمٌ ( 35 ) وَلا طَعامٌ إِلاَّ مِنْ غِسْلِينٍ ( 36 )
لا يَأْكُلُهُ إِلاَّ الْخاطِؤُنَ ( 37 ) فَلا أُقْسِمُ بِما تُبْصِرُونَ ( 38 ) وَما لا تُبْصِرُونَ ( 39 ) إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ ( 40 ) وَما هُوَ بِقَوْلِ شاعِرٍ قَلِيلاً ما تُؤْمِنُونَ ( 41 )
وَلا بِقَوْلِ كاهِنٍ قَلِيلاً ما تَذَكَّرُونَ ( 42 ) تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ ( 43 ) وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا بَعْضَ الْأَقاوِيلِ ( 44 ) لَأَخَذْنا مِنْهُ بِالْيَمِينِ ( 45 ) ثُمَّ لَقَطَعْنا مِنْهُ الْوَتِينَ ( 46 )
فَما مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حاجِزِينَ ( 47 ) وَإِنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ لِلْمُتَّقِينَ ( 48 ) وَإِنَّا لَنَعْلَمُ أَنَّ مِنْكُمْ مُكَذِّبِينَ ( 49 ) وَإِنَّهُ لَحَسْرَةٌ عَلَى الْكافِرِينَ ( 50 ) وَإِنَّهُ لَحَقُّ الْيَقِينِ ( 51 )
فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ ( 52 )
قال تعالى :
فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ
أي : الذي أثبتت فيه أعماله
فَيَقُولُ
لما رأى من سعادته تبجحا بحاله وإظهارا لنعمة ربه ؛ لأن الإنسان مطبوع على أن يظهر ما آتاه الله تعالى من خير تكميلا للذته قيل : إنه تكتب سيئاته في باطن صحيفته وحسناته في ظاهرها فيقرأ الباطن ويقرأ الناس الظاهر ، فإذا أنهاه قيل له : قد غفرها الله تعالى اقلب الصحيفة ، فحينئذ يكون قوله :
هاؤُمُ اقْرَؤُا
أي : خذوا اقرؤوا
كِتابِيَهْ
يقول ذلك ثقة بالإسلام وسرورا بنجاته ؛ لأن اليمين عند العرب من دلائل الفرح قال الشاعر « 1 » :
إذا ما راية رفعت لمجد * تلقاها عرابة باليمين
قال ابن عباس رضي الله عنهما : أول من يعطى كتابه بيمينه من هذه الأمة عمر بن الخطاب رضي الله عنه وله شعاع كشعاع الشمس قيل : فأين أبو بكر ؟ قال : هيهات زفته الملائكة إلى الجنة ، وقال ابن زيد : معنى هاؤم : تعالوا ، فيتعدى بإلى . وقال مقاتل : هلمّ ، وقال غيره : خذوا ، ومنه الحديث في الربا « إلا هاء وهاء » « 2 » ، أي : يقول كل لصاحبه : خذ ، وهذا هو المشهور ، ولذلك فسرت به الآية الكريمة . وقيل : هي كلمة وضعت لإجابة الداعي عند الفرح والنشاط ، وفي الحديث « أنه صلى اللّه عليه وسلم ناداه أعرابي بصوت عال فأجابه النبي صلى اللّه عليه وسلم : هاؤم بصولة صوته » « 3 » . وقيل : معناها اقصروا ، وزعم هؤلاء أنها مركبة من ها التنبيه وأموا أمر من الأمّ وهو القصد فصيّره التخفيف والاستعمال إلى هاؤم ، وقيل : الميم ضمير جماعة الذكور ، وزعم العتبي أن الهمزة بدل من الكاف ، قال ابن عادل : فإن عنى أنها تحل محلها فصحيح ، وإن عنى البدل الصناعي فليس بصحيح .
تنبيه : كتابيه منصوب بهاؤم عند الكوفيين ، وعند البصريين باقرؤوا لأنه أقرب العاملين ، والأصل : كتابي فأدخل الهاء لتتبين صحة الياء والهاء في
كِتابِيَهْ
و
حِسابِيَهْ
و
سُلْطانِيَهْ
و
مالِيَهْ
للسكت وكان حقها أن تحذف وصلا وتثبت وقفا ، وإنما أجري الوصل مجرى الوقف أو وصل بنية الوقف في كتابيه وحسابيه اتفاقا ، فأثبت الهاء وكذا في
مالِيَهْ
[ الحاقة : 28 ] و
سُلْطانِيَهْ
هامش
( 1 ) البيت من الوافر ، وهو للشماخ في ديوانه ص 336 ، ولسان العرب ( عرب ) ، ( يمن ) ، وتهذيب اللغة 8 / 221 ، 15 / 523 ، وجمهرة اللغة ص 319 ، 994 ، وتاج العروس ( عرب ) ، ومقاييس اللغة 6 / 158 .
( 2 ) أخرجه البخاري في البيوع حديث 2134 ، ومسلم في المساقاة حديث 1586 ، وأبو داود في البيوع حديث 3348 ، والترمذي في البيوع حديث 1243 ، والنسائي في البيوع حديث 4558 ، وابن ماجة في التجارات حديث 2253 .
( 3 ) أخرجه الترمذي في الدعوات حديث 3535 .