أصابتهم الشدة فتوقف في كونهم مؤمنين ، وسئل قتادة عن أصحاب الجنة أهم من أهل الجنة أم من أهل النار ؟ قال : لقد كلفتني تعبا ، والأكثرون يقولون : إنهم تابوا وأخلصوا حكاه القشيري .
ولما كان المقام لترهيب من ركن إلى ماله واحتقر الضعفاء من عباد الله تعالى ولم يجلهم بجلاله طوى ذكر ما أنعم به عليهم وذكر ما يخوفهم ، فقال تعالى مرهبا :
كَذلِكَ
أي : مثل هذا الذي بلونا به أصحاب الجنة من إهلاك ما كان عند أنفسهم في غاية القدرة عليه والثقة به مع الاستحسان لفعلهم والاستصواب ، وهددنا به أهل مكة فلم يبادروا إلى المتاب .
الْعَذابُ
أي :
الذي نحذرهم منه ونخوفهم به في الدنيا ، فإذا تم الأجل الذي قدرناه له أخذناهم به غير مستعجلين ولا مفرطين لأنه لا يعجل إلا ناقص يخاف الفوت
وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ
أي : الذي يكون فيها للعصاة
أَكْبَرُ
أي : من كل ما يتوهمون
لَوْ كانُوا
أي : الكفار
يَعْلَمُونَ
أي : لو كان لهم علم بشيء من غرائزهم في وقت من الأوقات لرجعوا عما هم فيه .
ولما ذكر ما لأهل الجمود الذين لا يجوزون الممكنات ذكر تعالى أضدادهم ، فقال تعالى مؤكدا لأجل إنكارهم :
إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ
أي : العريقين في صفة التقوى
عِنْدَ رَبِّهِمْ
أي : المحسن إليهم في موضع دوم أولئك وجنة آمالهم
جَنَّاتِ
جمع جنة وهي لغة : البستان الجامع ، وفي عرف الشرع : مكان اجتمع فيه جميع السرور وانتفى عنه جميع الشرور
النَّعِيمِ
أي : جنات ليس فيها إلا النعيم الخالص لا يشوبه ما ينغصه كما يشوب جنات الدنيا .
قال مقاتل : لما نزلت هذه الآية قال كفار مكة للمسلمين : إن الله تعالى فضلنا عليكم في الدنيا ، فلا بدّ وأن يفضلنا عليكم في الآخرة ، فإن لم يحصل التفضيل فلا أقل من المساواة فأجابهم الله تعالى بقوله سبحانه :
أَ فَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ
أي : الذين هم عريقون في الانقياد لأوامرنا والصلة لما أمرنا بوصله طلبا لمرضاتنا ، فلا اختيار لهم معنا في نفس ولا غيرها لحسن جبلاتهم
كَالْمُجْرِمِينَ
أي : الراسخين في قطع ما أمرنا به أن يوصل وأنتم لا تقرون بمثل هذا ، ففي ذلك إنكار لقول الكفرة ، فإنهم كانوا يقولون أيضا : إن صح أننا نبعث كما يزعم محمد ومن معه لم يفضلونا ، بل نكون أحسن حالا منهم كما نحن عليه في الدنيا .
وقوله تعالى :
ما لَكُمْ
أي : أيّ شيء يحصل لكم من هذه الأحكام الجائرة البعيدة عن الصواب
كَيْفَ تَحْكُمُونَ
أي : أيّ عقل دعاكم إلى هذا الحكم الذي يتضمن التسوية من السيد بين المحسن من عبيده والمسئ مع التفاوت ، فيه تعجب من حكمهم واستبعاد له وإشعار بأنه صادر عن اختلال فكر واعوجاج رأي .
أَمْ
أي : بل أ
لَكُمْ كِتابٌ
أي : سماوي معروف أنه من عند الله خاص بكم
فِيهِ
أي :
لا في غيره من أساطير الأولين
تَدْرُسُونَ
أي : تقرؤون قراءة أيقنتكم .
إِنَّ لَكُمْ
أي : خاصة على وجه التأكيد الذي لا رخصة في تركه
لَما تَخَيَّرُونَ
أي : ما تختارونه وتشتهونه ، وكسرت وكان حقها الفتح لولا اللام لأن ما بعدها هو المدروس ، ويجوز أن تكون الجملة حكاية للمدروس وأن تكون استئنافية .
أَمْ لَكُمْ أَيْمانٌ
أي : عهود ومواثيق
عَلَيْنا
قد حملتمونا إياها
بالِغَةٌ
أي : واثقة لأيمان ، وقوله تعالى :
إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ
متعلق بما تعلق به لكم من الاستقرار ، أي : ثابتة لكم إلى يوم القيامة ، أي : مبالغة ، أي : تبلغ إلى ذلك اليوم وتنتهي إليه . وقوله تعالى :
إِنَّ لَكُمْ لَما