تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير ) — صفحة 346

مساهمون:

ص٣٤٦
بالإمالة محضة ، وقرأ ورش بين بين ، والباقون بالفتح .
لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ
أي : مال واسع ولم يكلفه تعالى جميع وسعه بل قال تعالى :
مِنْ سَعَتِهِ
أي : لينفق الزوج على زوجته وولده الصغير على قدر وسعه إذا كان موسعا عليه
وَمَنْ قُدِرَ
أي : ضيق
عَلَيْهِ رِزْقُهُ
فعلى قدر ذلك فيقدر النفقة بحسب حال المنفق ، والحاجة من المنفق عليه بالاجتهاد على مجرى العادة . قال تعالى :
وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ
[ البقرة : 233 ] وقال صلى اللّه عليه وسلم لهند : « خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف » « 1 » لكن نفقة الزوجة مقدرة عند الشافعي محدودة فلا اجتهاد للحاكم ولا للمفتي فيها ، وتقديرها هو بحسب حال الزوج وحده من يسار وإعسار ، ولا اعتبار بحالها فيجب لابنة الخليفة ما يجب لابنة الحارس ، فيلزم الزوج الموسر مدان ، والمتوسط مد ونصف ، والمعسر مد لظاهر قوله تعالى :
لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ
فجعل الاعتبار بالزوج في اليسر والعسر ، ولأن الاعتبار بحالها يؤدي إلى الخصومة لأن الزوج يدعي أنها تطلب فوق كفايتها وهي تزعم أنها تطلب قدر كفايتها فقدرت قطعا للخصومة . وقوله تعالى :
فَلْيُنْفِقْ
أي : وجوبا على المرضع وغيرها من كل ما أوجبه الله تعالى عليه .
مِمَّا آتاهُ اللَّهُ
أي : الملك الذي لا ينفد ما عنده ، ولو من رأس المال ومتاع البيت
لا يُكَلِّفُ اللَّهُ
أي : الذي له الملك كله
نَفْساً
أيّ نفس كانت .
إِلَّا ما آتاها
أي : أعطاها من المال
سَيَجْعَلُ اللَّهُ
أي : الملك الذي له الكمال كله فلا خلف لوعده .
بَعْدَ عُسْرٍ
أي : بعد كل عسر
يُسْراً
وقد صدق الله وعده فيمن كانوا موجودين بعد نزول الآية ففتح عليهم جميع جزيرة العرب ، ثم فارس والروم حتى صاروا أغنى الناس وصدق الآية دائم غير أنه في الصحابة رضي الله تعالى عنهم ونفعنا بهم آمين لأن إيمانهم أتم . قال القشيري : وانتظار اليسر من الله صفة المتوسطين في الأحوال الذين انحطوا عن درجة الرضا ، وارتقوا عن حد اليأس والقنوط ، ويعيشون في إفناء الرجال ، ويتعللون بحسن المواعيد ا . ه . ولما ذكر الأحكام والمواعظ والترغيب لمن أطاع حذر من خالف بقوله تعالى :
وَكَأَيِّنْ
هي كاف الجر دخلت على أيّ بمعنى : كم
مِنْ قَرْيَةٍ
أي : وكثير من القرى . وقرأ ابن كثير بالألف بعد الكاف وبعد الألف همزة مكسورة وقفا ووصلا ، وقرأ الباقون في الوصل بهمزة مفتوحة بعد الكاف وبعد الهاء ياء تحتية مكسورة مشددة ، وعبر عن أهل القرية بها مبالغة فقال :
عَتَتْ
أي : استكبرت وجاوزت الحد في عصيانها وطغيانها فأعرضت عنادا
عَنْ أَمْرِ رَبِّها
أي : الذي أحسن إليها ولا يحسن إليها غيره
وَرُسُلِهِ
فلم تقبل منهم ما جاؤوا به عن الله تعالى ، فإن طاعتهم من طاعته
فَحاسَبْناها
أي : في الآخرة وإن لم تجىء لتحقق وقوعها
حِساباً شَدِيداً
أي : بالمناقشة والاستقصاء
وَعَذَّبْناها عَذاباً نُكْراً
أي : منكرا فظيعا ، وهو عذاب النار ، وقيل : العذاب في الدنيا فيكون على حقيقته ، أي : جازيناها بالعذاب في الدنيا ، وعذبناها عذابا نكرا في الآخرة ، وقيل : في الكلام تقديم وتأخير ، أي : فعذبناها عذابا نكرا في الدنيا بالجوع والقحط ، والسيف ،
هامش
- 2 ، وأحمد في المسند 6 / 85 ، 113 ، 114 ، 116 ، 130 ، 162 ، 182 ، 189 ، 191 ، 209 ، 223 ، 232 ، 262 . ( 1 ) أخرجه البخاري في النفقات حديث 5364 ، وأبو داود في البيوع حديث 3532 ، والنسائي في القضاة حديث 5420 ، وابن ماجة في التجارات حديث 2293 .
تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير ) — صفحة 346 | الخطيب الشربيني / إبراهيم شمس الدين