تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير ) — صفحة 296

مساهمون:

ص٢٩٦
مفعول الإرادة ، وقال الزمخشري : أصله يريدون أن يطفئوا كما في سورة التوبة ، وكأن هذه اللام زيدت مع فعل الإرادة توكيدا له ، لما فيها من معنى الإرادة في قولك : جئتك لإكرامك ، كما زيدت اللام في : لا أب لك تأكيدا لمعنى الإضافة في لا أباك . قال الماوردي : وسبب نزول هذه الآية ما حكاه عطاء عن ابن عباس : « أن النبي صلى اللّه عليه وسلم أبطأ عليه الوحي أربعين يوما ، فقال كعب بن الأشرف : يا معشر يهود أبشروا فقد أطفأ الله نور محمد فيما كان ينزل عليه وما كان ليتم أمره ، فحزن رسول الله صلى اللّه عليه وسلم ، فأنزل الله تعالى هذه الآية » « 1 » ، واتصل الوحي بعدها واختلف في المراد بالنور ، فقال ابن عباس : هو القرآن ، أي : يريدون إبطاله وتكذيبه بالقول . وقال السدي : الإسلام ، أي : يريدون رفعه بالكلام . وقال الضحاك : إنه محمد صلى اللّه عليه وسلم ، أي : يريدون هلاكه بالأراجيف وقال ابن جريج : حجج الله تعالى ودلائله ، يريدون إبطالها بإنكارهم وتكذيبهم . وقيل : إنه مثل مضروب ، أي : من أراد إطفاء نور الشمس بفيه فوجده مستحيلا ممتنعا ، كذلك من أراد إطفاء الحق
وَاللَّهُ
أي : الذي لا مدافع له لتمام عظمته
مُتِمُّ نُورِهِ
فلا يضره ستر أحد له بتكذيبه ولا إرادة إطفائه ، وزاد ذلك بقوله تعالى :
وَلَوْ كَرِهَ
أي : إتمامه له
الْكافِرُونَ
أي : الراسخون في جهة الكفر المجتهدون في المحاماة عنه .
هُوَ
أي : الذي ثبت أنه جامع لصفات الكمال والجلال وحده من غير أن يكون له شريك أو وزير
الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ
أي : الحقيق بأن يعظمه كل من بلغه أمره لأن عظمته من عظمته ، ولم يذكر حرف الغاية إشارة إلى عموم الإرسال إلى كل من شمله الملك كما مضى
بِالْهُدى
أي : البيان الشافي بالقرآن والمعجزة
وَدِينِ الْحَقِّ
أي : والملة الحنيفية
لِيُظْهِرَهُ
أي : يعليه مع الشهرة وإذلال المنازع
عَلَى الدِّينِ
أي : جنس الشريعة التي ستجعل ليجازى من يسلكها ومن يزغ عنها بما يشرع فيها من الأحكام
كُلِّهِ
فلا يبقى دين إلا كان دونه ، وانمحق به وذل أهله ذلا لا يقاس به ذل
وَلَوْ كَرِهَ
أي : إظهاره
الْمُشْرِكُونَ
أي : المعاندون في كفرهم الراسخون في سلك المعاندة . فإن قيل : قال أولا :
وَلَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ ،
وقال ثانيا :
وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ ،
فما الحكمة في ذلك ؟ . أجيب : بأنه تعالى أرسل رسوله ، وهو من نعم الله تعالى ، والكافرون كلهم في كفران النعم سواء فلهذا قال
وَلَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ
لأن لفظ الكافر أعم من لفظ المشرك فالمراد من الكافرين هنا اليهود والنصارى والمشركون ، فلفظ الكافر أليق به . وأما قوله تعالى :
وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ
فذلك عند إنكارهم التوحيد وإصرارهم عليه ، لأنه صلى اللّه عليه وسلم في ابتداء الدعوة أمر بالتوحيد بلا إله إلا الله فلم يقولوها ، فلهذا قال :
وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ .
واختلف في سب نزول قوله تعالى :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا
أي : أقروا بالإيمان
هَلْ أَدُلُّكُمْ
أي : وأنا المحيط علما وقدرة فهي إيجاب في المعنى ، ذكر بلفظ الاستفهام تشريفا ليكون أوقع في النفس
عَلى تِجارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ
أي : مؤلم فقال مقاتل : نزلت في عثمان بن مظعون قال : « يا رسول الله لو أذنت لي طلقت خولة ، وترهبت واختصيت ، وحرمت
هامش
( 1 ) انظر القرطبي في تفسيره 18 / 85 .
تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير ) — صفحة 296 | الخطيب الشربيني / إبراهيم شمس الدين