تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير ) — صفحة 282

مساهمون:

ص٢٨٢
وقال أكثر أهل التأويل : إنها محكمة ، واحتجوا بأنّ أسماء بنت أبي بكر قدمت أمّها وهي مشركة عليها المدينة بهدايا ، فقالت أسماء : لا أقبل منك هدية ، ولا تدخلي علي بيتا حتى أستأذن رسول الله صلى اللّه عليه وسلم ، فسألته فأنزل الله تعالى هذه الآية فأمرها رسول الله صلى اللّه عليه وسلم أن تدخل منزلها ، وأن تقبل هديتها وتكرمها وتحسن إليها ، وفي ذلك إشارة إلى الاقتصار في العداوة والولاية ، كما قال صلى اللّه عليه وسلم : « أحبب حبيبك هونا مّا عسى أن يكون بغيضك يوما ما ، وأبغض بغيضك هونا مّا عسى أن يكون حبيبك يوما ما » « 1 » وروى عامر بن عبد الله بن الزبير عن أبيه « أنّ أبا بكر الصدّيق رضي الله عنه طلق امرأته قتيلة في الجاهلية ، وهي أمّ أسماء بنت أبي بكر فقدمت عليهم في المدّة التي كانت فيها المهادنة بين رسول الله صلى اللّه عليه وسلم وبين كفار قريش ، فأهدت إلى أسماء بنت أبي بكر قرطا وأشياء ، فكرهت أن تقبل منها حتى أتت رسول الله صلى اللّه عليه وسلم ، فذكرت ذلك له فأنزل الله تعالى :
لا يَنْهاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ
« 2 » .
وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ أَنْ
أي : لا ينهاكم عن أن
تَبَرُّوهُمْ
بنوع من أنواع البرّ الظاهرة ، فإنّ ذلك غير صريح في قصد المودّة
وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ
أي : تعطوهم قسطا من أموالكم على وجه الصلة قال ابن العربي : وليس يريد به من العدل ، فإنّ العدل واجب فيمن قاتل وفيمن لم يقاتل وحكي أن القاضي إسماعيل بن إسحاق دخل عليه ذمي فأكرمه فأخذ عليه الحاضرون في ذلك فتلا عليهم هذه الآية
إِنَّ اللَّهَ
أي : الذي له الكمال كله
يُحِبُّ
أي : يثيب
الْمُقْسِطِينَ
أي : الذين يزيلون الجور ، ويوقعون العدل .
إِنَّما يَنْهاكُمُ اللَّهُ
أي : الذي له الإحاطة الكاملة علما وقدرة
عَنِ الَّذِينَ قاتَلُوكُمْ
أي : جاهدوكم متعمدين لقتالكم
فِي الدِّينِ
أي : عليه فليس شيء من ذلك خارجا عنه
وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ
أي بأنفسهم لبغضكم ، وهم عتاة أهل مكة
وَظاهَرُوا
أي : عاونوا غيرهم
عَلى إِخْراجِكُمْ
وهم مشركوا مكة . وقوله تعالى :
أَنْ تَوَلَّوْهُمْ
بدل اشتمال من الذين أي : تتخذوهم أولياء . وقرأ البزي بتشديد التاء ، والباقون بالتخفيف . ولما كان التقدير فمن أطاع فأولئك هم المفلحون عطف عليه قوله تعالى :
وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ
أي : يكلف نفسه الحمل على غير ما تدعو إليه الفطرة الأولى من المنابزة ، وأطلق ولم يقيد بمنكم ليعم المهاجرين وغيرهم ، والمؤمنين وغيرهم
فَأُولئِكَ
أي : الذين أبعدوا عن العدل
هُمُ الظَّالِمُونَ
أي : الغريقون في إيقاع الأشياء في غير مواضعها . ولما أمر المسلمين بترك موالاة المشركين اقتضى ذلك مهاجرة المسلمين من بلاد الشرك إلى بلاد الإسلام ، وكان التناكح من أوكد أسباب الموالاة فبين أحكام مهاجرة النساء بقوله تعالى :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا
أي : أقرّوا بالإيمان
إِذا جاءَكُمُ الْمُؤْمِناتُ
أي : بأنفسهن
مُهاجِراتٍ
أي : من الكفار بعد الصلح معهم في الحديبية
فَامْتَحِنُوهُنَّ
أي : بالحلف أنهنّ ما هاجرن إلا رغبة في الإسلام ، لا بغضا في أزواجهن الكفار ، ولا عشقا لرجال من المسلمين . كذا كان رسول الله صلى اللّه عليه وسلم يحلفهنّ .
هامش
( 1 ) أخرجه الترمذي في البر حديث 1997 ، والمتقي الهندي في كنز العمال 24742 ، 44099 ، والهيثمي في مجمع الزوائد 8 / 88 ، والزبيدي في إتحاف السادة المتقين 6 / 233 . ( 2 ) أخرجه الهيثمي في مجمع الزوائد 8 / 89 ، والحاكم في المستدرك 2 / 485 .