تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير ) — صفحة 250

مساهمون:

ص٢٥٠
كَتَبَ
أي : أثبت قاله الربيع بن أنس رضي الله عنه ، وقيل : خلق ، وقيل : جعل كقوله تعالى :
فَاكْتُبْنا مَعَ الشَّاهِدِينَ
[ آل عمران : 53 ] أي : اجعلنا ، وقوله تعالى :
فَسَأَكْتُبُها لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ
[ الأعراف : 156 ] وقيل : كنب
فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمانَ
[ المجادلة : 22 ] بما وفقهم فيه وشرح له صدرهم ، أي : على قلوبهم كقوله تعالى :
فِي جُذُوعِ النَّخْلِ
[ طه : 71 ] وخص القلوب بالذكر لأنها موضع الإيمان . قال البيضاوي : وهو دليل على خروج العمل من مفهوم الإيمان ، فإنّ جزاء الثابت في القلب يكون ثابتا فيه ، وأعمال الجوارح لا تثبت فيه .
وَأَيَّدَهُمْ
أي : وقوّاهم وشدّدهم وشرّفهم
بِرُوحٍ
أي : نور شريف جدّا يفهمون به ما أودع في كتابه وسنة نبيه صلى اللّه عليه وسلم من نور العلم والعمل
مِنْهُ
أي : من الله تعالى أحياهم به فلا انفكاك لذلك عنهم في وقت من الأوقات ، فأثمر لهم استقامة المناهج ظاهرا وباطنا ، فعملوا الأعمال الصالحة فكانوا للدنيا كالسرج ، فلا تجد شيئا أدخل في الإخلاص من موالاة أولياء الله تعالى ، ومعاداة أعدائه لا بل هو عين الإخلاص ، ومن جنح إلى منحرف عن دينه ، أوداهن مبتدعا في عقيدته نزع الله تعالى نور التوحيد من قلبه . قال الزمخشري : ويجوز أن يكون الضمير للإيمان ، أي : بروح من الإيمان على أنه في نفسه روح لحياة القلوب به وقال ابن عباس رضي الله عنهما : نصرهم على عدوّهم ، وسمى تلك النصرة روحا ، لأنّ بها يحيا أمرهم . وقال الربيع بن أنس رضي الله عنه : بالقرآن وحججه ، وقال ابن جريج : بنور وبرهان وهدى ، وقيل : برحمة ، وقيل : أيدهم بجبريل عليه السلام
وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ
أي : بساتين تستر داخلها من كثرة أشجارها . وأخبر عن ريها بقوله تعالى :
تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ
أي قصورها
الْأَنْهارُ
فهي بذلك كثيرة الرياض والأشجار وقال تعالى :
خالِدِينَ فِيها
لأنّ ذلك لا يلذ إلا بالدوام ، وقال تعالى :
رَضِيَ اللَّهُ
أي : الملك الأعظم
عَنْهُمْ
لأنّ ذلك لا يتم إلا برضا مالكها الذي له الملك كله
وَرَضُوا عَنْهُ
أي : لأنه أعطاهم فوق ما يؤملون
أُولئِكَ
أي : الذين هم في الدرجات العلى من العظمة لكونهم قصروا ودّهم على الله تعالى ، علما منهم بأنه ليس الضرّ والنفع إلا بيده
حِزْبُ اللَّهِ
أي : جند الملك الذي أحاط بجميع صفات الكمال
أَلا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ
أي : جند الملك الأعلى ، وهم هؤلاء الموصوفون ومن والاهم
هُمُ الْمُفْلِحُونَ
أي : الذين حازوا الظفر بكل ما يؤملون في الدارين ، وقد علم من الرضا من الجانبين والحزبية والإفلاح عدم الانفكاك عن السعادة فأغنى ذلك عن تقييد الخلود بالتأييد . فائدة : هذه السورة نصف القرآن عددا ، وليس فيها آية إلا وفيها ذكر الجلالة الكريمة مرة أو مرتين أو ثلاثا . وما رواه البيضاوي تبعا للزمخشري عن النبيّ صلى اللّه عليه وسلم « أنّ من قرأ سورة المجادلة كتب من حزب الله تعالى يوم القيامة » « 1 » حديث موضوع . والله تعالى أعلم .
هامش
( 1 ) ذكره الزمخشري في الكشاف 4 / 497 .