تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير ) — صفحة 191

مساهمون:

ص١٩١
ولما لم يكن بعد الأكل والشراب أشهى من النساء قال تعالى :
وَحُورٌ
أي : نساء شديدات سواد العيون وبياضها
عِينٌ
أي : ضخام العيون وقرأ حمزة والكسائي بخفض الاسمين عطفا على سرر ، فإنّ النساء في معنى المتكأ لأنهن يسمين فراشا ، والباقون بالرفع عطفا على ولدان
كَأَمْثالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ
أي : المخزون في الصدف المصون الذي لم تمسه الأيدي ولم تقع عليه الشمس والهواء ، فيكون في نهاية الصفاء ؛ قال البغوي : ويروى أنه يسطع نور في الجنة فيقولون : ما هذا ؟ فيقال : ثغر حوراء ضحكت في وجه زوجها ويروى أنّ الحوراء إذا مشت يسمع تقديس الخلاخل من ساقها ، وتمجيد الأسورة من ساعديها ، وأنّ عقد الياقوت يضحك في نحرها ، وفي رجليها نعلان من ذهب شراكهما من لؤلؤ يصران بالتسبيح . ولما بالغ في وصف جزائهم بالحسن والصفاء دل على أنّ أعمالهم كانت كذلك لأنّ الجزاء من جنس العمل فقال تعالى :
جَزاءً
أي : فعل ذلك لهم لأجل الجزاء
بِما كانُوا يَعْمَلُونَ
أي : يجدّدون عمله على جهة الاستمرار ، قالت المعتزلة : هذا يدل على أنّ إيصال الثواب واجب على الله تعالى ، لأنّ الجزاء لا يجوز الإخلال به ، وأجيبوا بأنه لو صح ما ذكروه لما كان في الوعد بهذه الأشياء فائدة ، لأنّ العقل إذا حكم بأنّ ترك الجزاء قبيح ، وعلم بالعقل أنّ القبيح من الله تعالى لا يوجد علم أنّ الله تعالى يعطي هذه الأشياء لأنها جزاؤه ، وإيصال الجزاء واجب ، فكان لا يصح التمدح به
لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْواً
أي : شيئا مما لا ينفع واللغو الساقط
وَلا تَأْثِيماً
أي : ما يحصل به الإثم أو النسبة إلى الإثم بل حركاتهم وسكناتهم كلها في رضا الله تعالى ؛ وقال ابن عباس رضي الله عنهما : باطلا وكذبا ؛ قال محمد بن كعب : ولا تأثيما أي : لا يؤثم بعضهم بعضا ؛ وقال مجاهد : لا يسمعون شتما ولا مأثما وقوله تعالى :
إِلَّا قِيلًا
فيه قولان أحدهما : أنه استثناء منقطع وهذا واضح لأنه لم يندرج تحت اللغو والتأثيم ، والثاني : أنه متصل وفيه بعد ؛ قال ابن عادل فكان هذا رأى أنّ الأصل لا يسمعون فيها كلاما فاندرج عنده فيه ؛ ثم بين تعالى ذلك بقوله :
سَلاماً سَلاماً
أي قولا سلاما ، قال عطاء : يحيى بعضهم بعضا بالسلام ، أو تحيهم الملائكة ، أو يحييهم ربهم ؛ ودل على دوامه بتكريره فقال تعالى :
سَلاماً
ففيه إشارة إلى كثرة السلام عليهم ولهذا لم يكرر في قوله تعالى
سَلامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ
[ يس : 58 ] وقال القرطبي : السلام الثاني بدل من الأوّل ، والمعنى : إلا قولا يسلم فيه من اللغو . ولما بين حال السابقين شرع في بيان حال أصحاب اليمين فقال تعالى :

[ سورة الواقعة ( 56 ) : الآيات 27 إلى 48 ]

وَأَصْحابُ الْيَمِينِ ما أَصْحابُ الْيَمِينِ ( 27 ) فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ ( 28 ) وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ ( 29 ) وَظِلٍّ مَمْدُودٍ ( 30 ) وَماءٍ مَسْكُوبٍ ( 31 ) وَفاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ ( 32 ) لا مَقْطُوعَةٍ وَلا مَمْنُوعَةٍ ( 33 ) وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ ( 34 ) إِنَّا أَنْشَأْناهُنَّ إِنْشاءً ( 35 ) فَجَعَلْناهُنَّ أَبْكاراً ( 36 ) عُرُباً أَتْراباً ( 37 ) لِأَصْحابِ الْيَمِينِ ( 38 ) ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ ( 39 ) وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ ( 40 ) وَأَصْحابُ الشِّمالِ ما أَصْحابُ الشِّمالِ ( 41 ) فِي سَمُومٍ وَحَمِيمٍ ( 42 ) وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ ( 43 ) لا بارِدٍ وَلا كَرِيمٍ ( 44 ) إِنَّهُمْ كانُوا قَبْلَ ذلِكَ مُتْرَفِينَ ( 45 ) وَكانُوا يُصِرُّونَ عَلَى الْحِنْثِ الْعَظِيمِ ( 46 ) وَكانُوا يَقُولُونَ أَ إِذا مِتْنا وَكُنَّا تُراباً وَعِظاماً أَ إِنَّا لَمَبْعُوثُونَ ( 47 ) أَ وَآباؤُنَا الْأَوَّلُونَ ( 48 )
وَأَصْحابُ الْيَمِينِ
ثم فخم أمرهم وأعلى مدحهم لتعظيم جزائهم فقال تعالى :
ما أَصْحابُ الْيَمِينِ
فإن قيل : ما الحكمة في ذكرهم بلفظ أصحاب الميمنة عند تقسيم الأزواج الثلاثة