تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير ) — صفحة 186

مساهمون:

ص١٨٦
أو سيقت وسيرت من بس الغنم إذا ساقها وبست الإبل وأبسستها لغتان إذا زجرتها ، وقلت : بس بس قاله أبو زيد ؛ وقال الحسن : بست قلعت من أصلها فذهبت ، ونظيرها ينسفها ربي نسفا ؛ وقال عطية : بسطت بالرمل والتراب
فَكانَتْ
أي : بسبب ذلك
هَباءً
أي : غبارا هو في غاية الانسحاق وإلى شدّة لطافته أشار بصفته فقال تعالى :
مُنْبَثًّا
أي : منتشر متفرّقا بنفسه من غير حاجة إلى هواء يفرقه ، فهو كالذي يرى في شعاع الشمس إذا دخل من كوّة ؛ وعن ابن عباس : هو ما تطاير من النار إذا أضرمت يطير منها شرر ، فإذا وقع لم يكن شيئا
وَكُنْتُمْ
أي : قسمتم بما كان في جبلاتكم وطبائعكم في الدنيا
أَزْواجاً
أي : أصنافا
ثَلاثَةً
كل صنف يشاكل ما هو منه كما يشاكل الزوج الزوجة ؛ قال البيضاوي : وكل صنف يكون أو يذكر مع صنف آخر زوج . ثم بين من هم بقوله تعالى :
فَأَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ
وهم الذين يؤتون كتبهم بأيمانهم مبتدأ ، وقوله تعالى :
ما
استفهام فيه تعظيم مبتدأ ثان ، وقوله تعالى :
فَأَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ
خبر المبتدأ الثاني والجملة خبر الأوّل ، وتكرير المبتدأ بلفظه مغن عن الضمير ، ومثله
الْحَاقَّةُ ( 1 ) مَا الْحَاقَّةُ
[ الحاقة : 1 - 2 ]
الْقارِعَةُ ( 1 ) مَا الْقارِعَةُ
[ القارعة : 1 - 2 ] ولا يكون ذلك إلا في مواضع التعظيم . ولما ذكر الناجين بقسميهم أتبعهم أضدادهم بقوله تعالى :
وَأَصْحابُ الْمَشْئَمَةِ
أي : الشمال وهم الذي يؤتون كتبهم بشمائلهم وقوله تعالى :
ما أَصْحابُ الْمَشْئَمَةِ
تحقير لشأنه بدخولهم النار ، وقال السدي :
فَأَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ
هم الذين يؤخذ بهم ذات اليمين إلى الجنة ،
وَأَصْحابُ الْمَشْئَمَةِ
هم الذين يؤخذ بهم ذات الشمال إلى النار ، والمشأمة الميسرة وكذا الشامة والعرب تقول لليد الشمال : الشؤمي وللجانب الشمال الأشآم وكذلك يقال لما جاء عن اليمين اليمن ولما جاء عن الشمال الشؤم ، قال البغوي : ومنه سمى الشأم واليمن ، لأنّ اليمن عن يمين الكعبة ، والشام عن شمالها ؛ وقال ابن عباس رضي الله عنهما :
فَأَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ
هم الذين كانوا عن يمين آدم حين أخرجت الذرّية من صلبه ، فقال الله تعالى لهم : هؤلاء في الجنة ولا أبالي ؛ وقال زيد بن أسلم : هم الذين أخذوا من شق آدم الأيمن ؛ وقال ابن جريج :
فَأَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ
هم أصحاب الحسنات
وَأَصْحابُ الْمَشْئَمَةِ
هم ( أصحاب السيئات ) . وفي صحيح مسلم من حديث الإسراء عن أبي ذر عن النبيّ صلى اللّه عليه وسلم قال : « فلما علونا السماء الدنيا فإذا رجل عن يمينه أسودة وعن يساره أسودة قال : فإذا نظر قبل يمينه ضحك ، وإذا نظر قبل شماله بكى قال : فقال : مرحبا بالنبيّ الصالح والابن الصالح ، قال : قلت : يا جبريل من هذا ؟ قال : آدم عليه السلام وهذه الأسودة عن يمينه وعن شماله نسم بنيه ، فأهل اليمين أهل الجنة ، والأسودة التي عن شماله أهل النار » « 1 » . وذكر الحديث وقال المبرّد : أصحاب الميمنة : أصحاب التقدّم وأصحاب المشأمة : أصحاب التأخر والعرب تقول اجعلني في يمينك ولا تجعلني في شمالك ، أي : اجعلني من المتقدّمين ، ولا تجعلني من المتأخرين . تنبيه : الفاء في قوله تعالى :
فَأَصْحابُ
تدل على التقسيم وبيان ما ورد عليه التقسيم ، كأنه قال : أزواجا ثلاثة أصحاب الميمنة وأصحاب المشأمة والسابقون ، ثم بين حال كل قسم فقال : فأما أصحاب الميمنة وترك التقسيم أولا واكتفى بما يدل عليه بأنّ ذكر الأقسام الثلاثة مع أحوالها ،
هامش
( 1 ) أخرجه البخاري في أحاديث الأنبياء حديث 3342 ، ومسلم في الإيمان حديث 163 .