تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير ) — صفحة 179

مساهمون:

ص١٧٩

[ سورة الرحمن ( 55 ) : الآيات 73 إلى 78 ]

فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ ( 73 ) لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلا جَانٌّ ( 74 ) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ ( 75 ) مُتَّكِئِينَ عَلى رَفْرَفٍ خُضْرٍ وَعَبْقَرِيٍّ حِسانٍ ( 76 ) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ ( 77 ) تَبارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلالِ وَالْإِكْرامِ ( 78 )
وَمِنْ دُونِهِما
أي : من أدنى مكان ورتبة تحت جنتي هؤلاء المحسنين المقربين
جَنَّتانِ
أي : لكل واحد ممن دون هؤلاء المحسنين من الخائفين ، وهم أصحاب اليمين ؛ وقال أبو موسى الأشعري : جنتان من ذهب للسابقين ، وجنتان من فضة للتابعين ؛ وقال ابن جريج هي أربع جنان جنتان للمقرّبين السابقين فيهما من كل فاكهة زوجان ؛ وجنتان : لأصحاب اليمين والتابعين فيهما فاكهة ونخل ورمان . وقال الكسائي ومن دونهما أي أمامهما وقبلهما يدلّ عليه قول الضحاك : الجنتان الأوليان من ذهب وفضة والأخريان من ياقوت ؛ وعلى هذا فهما أفضل من الأوليين ؛ وإلى هذا القول ذهب أبو عبد الله الترمذي الحكيم في نوادر الأصول . وقال : ومعنى
وَمِنْ دُونِهِما جَنَّتانِ
أي : دون هذا إلى العرش أي : أقرب وأدنى إلى العرش . وقال مقاتل : الجنتان الأوليان جنة عدن ، وجنة النعيم ، والأخريان جنة الفردوس ، وجنة المأوى .
فَبِأَيِّ آلاءِ
أي : نعم
رَبِّكُما
أي : المحسن بنعمه لجميع خلقه
تُكَذِّبانِ
أبشيء مما تفضل به عليكم أم بغيره ؟ . ثم وصف تلك الجنتين بقوله تعالى :
مُدْهامَّتانِ
قال ابن عباس رضي الله عنهما : خضراوان . وقال مجاهد : سوداوان لأنّ الخضرة إذا اشتدت تضرب إلى السواد ، وهذا مشاهد بالنظر ولذلك قالوا : سواد العراق لكثرة شجره وزرعه ، والأرض إذا اخضرّت غاية الخضرة تضرب إلى سواد ؛ قال الرازي : والتحقيق فيه أنّ ابتداء الألوان هو البياض وانتهاءها هو السواد فإن الأبيض يقبل كل لون والأسود لا يقبل شيئا من الألوان .
فَبِأَيِّ آلاءِ
أي : نعم
رَبِّكُما
أي : المحسن إليكما بالرزق وغيره
تُكَذِّبانِ
أبشيء من تلك النعم أم بغيرها ؟ ثم وصف تلك الجنتين أيضا بقوله تعالى :
فِيهِما
أي : في جنتي كل شخص منهم
عَيْنانِ نَضَّاخَتانِ
قال ابن عباس : أي : فوّارتان بالماء ، والنضخ بالخاء المعجمة أكثر من النضح بالحاء المهملة لأنّ النضح بالمهملة الرشح والرش ، وبالمعجمة فوران الماء وقال مجاهد : المعنى نضاختان بالخير والبركة ، وعن ابن مسعود : تنضخ على أولياء الله تعالى بالمسك والكافور والعنبر في دور أهل الجنة كما ينضخ رش المطر ، وقال سعيد بن جبير بأنواع الفواكه والماء .
فَبِأَيِّ آلاءِ
أي : نعم
رَبِّكُما
المربي البليغ الحكمة في التربية
تُكَذِّبانِ
أبتلك النعمة أم بغيرها ؟ . ثم وصف الجنتين أيضا بقوله تعالى :
فِيهِما فاكِهَةٌ
وخص أشرفها وأكثرها وجدانا في الخريف والشتاء ، كما في جنان الدنيا التي جعلت مثالا لهاتين بقوله تعالى :
وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ
فإن كلا منهما فاكهة وأدام ، فلهذا خصا تشريفا وتنبيها على ما فيهما من التفكه ، وأولهما أعمّ نفعا ، وأعجب خلقا ، ولذا قدمه فعطفهما على الفاكهة من باب ذكر الخاص بعد العامّ تفضيلا له ؛ كقوله تعالى :
وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكالَ
[ البقرة : 98 ] وقوله تعالى :
حافِظُوا عَلَى الصَّلَواتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطى
[ البقرة : 238 ] .