وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عاداً الْأُولى
وهم قوم هود عليه السلام هلكوا بريح صرصر ، والأخرى قوم صالح وقيل : الأخرى إرم وقيل : الأولى أول الخلق هلاكا بعد قوم نوح ، وقرأ نافع وأبو عمرو بتشديد اللام بعد الدال المفتوحة نقلا وهمز قالون الواو بعد اللام همزة ساكنة والباقون بتنوين الدال وكسر التنوين وسكون اللام وبعدها همزة مضمومة ، فإذا قرأ القارئ عاد الأولى لقالون وأبي عمرو فله في الوصل أي وصل عاد بالأولى وجه واحد وهو النقل المذكور ، وقالون على أصله بالهمزة كما ذكر ، فإذا وقف على عادا وابتدأ بالأولى فله الابتداء بهمزة الوصل وهو الأولى ، وله أيضا الابتداء بغير همز الوصل وهو لولى ، وقالون يهمز الواو في الوجهين الأوّلين ولم يهمز في الوجه الثالث الذي هو الأصل ، ووافقهما ورش في الأوجه المذكورة في الوصل والابتداء لا في الوجه الثالث الذي هو الأصل فإنه ليس من مذهبه إلا النقل .
وَثَمُودَ
وهم قوم صالح أهلكهم الله تعالى بصحية
فَما أَبْقى
منهم أحدا ، وقرأ عاصم وحمزة بغير تنوين للدّال في الوصل وسكون الدال في الوقف والباقون بالتنوين في الوصل والوقف على الألف .
وَقَوْمَ نُوحٍ
أي : أهلكهم لأجل ظلمهم بالتكذيب
مِنْ قَبْلُ
أي : قبل الفريقين
إِنَّهُمْ
أي : قوم نوح
كانُوا
أي : بما لهم من الأخلاق التي هي كالجبلات التي لا انفكاك عنها
إِنَّهُمْ
أي : خاصة
أَظْلَمَ
أي : من الطائفتين المذكورتين
وَأَطْغى
أي : وأشدّ تجاوزا في الظلم وعلوّا وإسرافا في المعاصي وتجبرا وعتوّا لتمادي دعوة نوح عليه السلام قريبا من ألف سنة ، ولأنهم أطول أعمارا وأشدّ أبدانا وكانوا مع ذلك ملء الأرض ، روي أنّ الرجل منهم كان يأخذ بيد ابنه فينطلق به إلى نوح عليه السلام فيقول : احذر هذا فإنه كذاب ، وإنّ أبي قد مشى بي إلى هذا وقال لي ما قلت لك فيموت الكبير على الكفر وينشأ الصغير على وصية أبيه ولهذا قال نوح عليه السلام :
رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكافِرِينَ دَيَّاراً ( 26 ) إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبادَكَ وَلا يَلِدُوا إِلَّا فاجِراً كَفَّاراً
[ نوح : 26 - 27 ] .
وقوله تعالى :
وَالْمُؤْتَفِكَةَ
منصوب بقوله تعالى :
أَهْوى
وقدّم لأجل الفواصل ، والمراد بالمؤتفكة قرى قوم لوط رفعها إلى عنان السماء على جناح جبريل عليه السلام ، ثم أهواها إلى الأرض أي أسقطها وأتبعها بحجارة النار الكبريتية ، وهو قوله تعالى :
فَغَشَّاها
أي : أتبعها ما غطاها فكان لها بمنزلة الغشاء وهوّله بقوله تعالى :
ما غَشَّى
أي : أمرا عظيما من الحجارة المنضودة المسمومة وغيرها مما لا تسع العقول وصفه .
فَبِأَيِّ آلاءِ
أي : أنعم
رَبِّكَ
أي : المحسن إليك
تَتَمارى
أي : تشك أيها الإنسان وقيل : أراد الوليد بن المغيرة وقال ابن عباس : تتمارى أي تكذب وقيل : الخطاب للنبيّ صلى اللّه عليه وسلم أي تشك في إجالة الخواطر في فكرك في إرادة هداية جميع قومك بحيث لا تريد أن أحدا منهم يهلك ، وقد حكم ربك بإهلاك كثير منهم لما اقتضته حكمته فكان بعض خواطرك في تلك الإجالة يشكك ببعضها بعضا .
هذا
أي : النبي صلى اللّه عليه وسلم
نَذِيرٌ
أي : محذر بليغ التحذير
مِنَ النُّذُرِ الْأُولى
أي : من جنسهم أي رسول كالرسل قبله أرسل إليكم كما أرسلوا إلى أقوامهم ، وقال تعالى
الْأُولى
على تأويل الجماعة ، أو هذا القرآن نذير من النذر الأولى أي إنذار من جنس الإنذارات الأولى التي أنذر بها من قبلكم .