[ سورة الشعراء ( 26 ) : الآيات 209 إلى 227 ]
ذِكْرى وَما كُنَّا ظالِمِينَ ( 209 ) وَما تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّياطِينُ ( 210 ) وَما يَنْبَغِي لَهُمْ وَما يَسْتَطِيعُونَ ( 211 ) إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ ( 212 ) فَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ ( 213 )
وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ ( 214 ) وَاخْفِضْ جَناحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ( 215 ) فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ ( 216 ) وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ ( 217 ) الَّذِي يَراكَ حِينَ تَقُومُ ( 218 )
وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ ( 219 ) إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ( 220 ) هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّياطِينُ ( 221 ) تَنَزَّلُ عَلى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ ( 222 ) يُلْقُونَ السَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كاذِبُونَ ( 223 )
وَالشُّعَراءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغاوُونَ ( 224 ) أَ لَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وادٍ يَهِيمُونَ ( 225 ) وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ ما لا يَفْعَلُونَ ( 226 ) إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيراً وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ ما ظُلِمُوا وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ ( 227 )
ما
أي : أيّ شيء
أَغْنى عَنْهُمْ
أي : فيما أخذهم من العذاب
ما كانُوا يُمَتَّعُونَ
برفع العذاب أو تخفيفه ، أي : لم يغن عنهم طول التمتع شيئا ويكون كأنهم لم يكونوا في نعيم قط ، وعن ميمون بن مهران : أنه لقي الحسن في الطواف وكان يتمنى لقاءه فقال له عظني فلم يزد على تلاوة هذه الآية ، فقال له ميمون لقد وعظت فأبلغت .
وَما أَهْلَكْنا مِنْ قَرْيَةٍ
أي : من القرى السالفة بعذاب الاستئصال
إِلَّا لَها مُنْذِرُونَ
أي :
رسولهم ومن تبعه من أمّته ومن سمعوا من الرسل بأخبارهم مع أممهم من قبلهم ، ثم علل الإنذار بقوله تعالى :
ذِكْرى
أي : تنبيها عظيما على ما فيه النجاة ، أو جعل المنذرين نفس الذكرى ، كما قال تعالى
قَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْراً ( 10 ) رَسُولًا
[ الطلاق : 10 - 11 ] وذلك إشارة إلى إمعانهم في التذكير حتى صاروا إياه
وَما كُنَّا ظالِمِينَ
أي : في إهلاك شيء منها لأنهم كفروا نعمتنا وعبدوا غيرنا بعد الإعذار إليهم ومتابعة الحجج ومواصلة الوعيد .
تنبيه : الواو في قوله :
وَما كُنَّا
واو الحال من نون أهلكنا فإن قيل : كيف عزلت الواو عن الجملة بعد إلا ولم تعزل عنها في قوله تعالى :
وَما أَهْلَكْنا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا وَلَها كِتابٌ مَعْلُومٌ
؟ [ الحجر :
4 ] أجيب : بأنّ الأصل عزل الواو لأنّ الجملة صفة لقرية وإذا زيدت فلتأكيد وصل الصفة بالموصوف كما في قوله تعالى :
سَبْعَةٌ وَثامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ
[ الكهف : 22 ] .
ولما كان الكفرة يقولون إنّ محمدا كاهن وما يتنزل عليه من جنس ما تتنزل به الشياطين ، أكذبهم الله سبحانه وتعالى بقوله :
وَما تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّياطِينُ
أي : ليكون سحرا أو كهانة أو شعرا أو أضغاث أحلام كما يقولون .
وَما يَنْبَغِي
أي : وما يصح
لَهُمْ
أن يتنزلوا به
وَما يَسْتَطِيعُونَ
أي : التنزل به وإن اشتدّت معاجلتهم على تقدير : أن يكون لهم قابلية لذلك .
ثم علل هذا بقوله تعالى :
إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ
أي : لكلام الملائكة
لَمَعْزُولُونَ
أي :
محجوبون بالشهب .
ولما كان القرآن داعيا إلى الله تعالى ناهيا عن عبادة غيره تسبب عن ذلك قوله تعالى :
فَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ
أي : الحائز لكمال الصفات
إِلهاً آخَرَ فَتَكُونَ
أي : فيتسبب عن ذلك أن تكون
مِنَ الْمُعَذَّبِينَ
من القادر على ما يريد بأيسر أمر وأسهله ، وهذا خطاب لنبيه صلّى اللّه عليه وسلم والمراد غيره لأنه معصوم من ذلك ، قال ابن عباس : يحذر به غيره يقول أنت أكرم الخلق لديّ وأعزهم عليّ ولئن اتخذت إلها غيري لعذبتك فيكون الوعيد أزجر له ويكون هو أقبل .
روى محمد بن إسحاق بسنده عن عليّ رضي الله عنه أنه قال لما نزلت على النبيّ صلّى اللّه عليه وسلم .
وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ
دعاني رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم فقال يا عليّ إنّ الله أمرني أن أنذر عشيرتي