تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير ) — صفحة 710

مساهمون:

ص٧١٠
ومعنى الحديث أن العرب كان من شأنها ذم الدهر وسبّه عند النوازل لأنهم كانوا ينسبون إليه ما يصيبهم من المصائب والمكاره فيقولون : أصابتهم قوارع الدهر وأبادهم الدهر كما أخبر الله تعالى عنهم فإذا أضافوا إلى الدهر ما نالهم من الشدائد سبوا فاعلها ، فكان يرجع سبهم إلى الله تعالى إذ هو الفاعل في الحقيقة للأمور التي يضيفونها إلى الدهر فنهوا عن سبه .
وَإِذا تُتْلى
أي : تتابع بالقراءة من أي تال كان
عَلَيْهِمْ آياتُنا
أي : على ما لها من العظمة في نفسها وبالإضافة إلينا حال كونها
بَيِّناتٍ
أي : في غاية المكنة في الدلالة على البعث فلا عذر لهم في ردها
ما كانَ
أي : بوجه من وجوه الكون
حُجَّتَهُمْ
أي : قولهم الذي ساقوه مساق الحجة
إِلَّا أَنْ قالُوا ائْتُوا بِآبائِنا
أي : أحياء
إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ
أي : في أنا نبعث فهو لا يستحق أن يسمى شبهة فسمي حجة بزعمهم أو لأن من كانت حجته هذه فليست له البتة حجة كقوله « 1 » :
تحية بينهم ضرب وجيع
ثم إن الله تعالى أمر نبيه صلّى اللّه عليه وسلم أن يجيبهم بقوله تعالى :
قُلِ اللَّهُ
أي : المحيط علما وقدرة
يُحْيِيكُمْ
أي : حين كنتم نطفا
ثُمَّ يُمِيتُكُمْ
أي : بأن يخرج أرواحكم من أجسادكم فتكونون كما كنتم قبل الإحياء كما تشاهدون
ثُمَّ يَجْمَعُكُمْ
أي : بعد التمزق فيعيد فيكم أرواحكم كما كانت بعد طول مدة الرقاد منتهين
إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ
أي : القيام الأعظم لكونه عاما لجميع الخلائق
لا رَيْبَ
أي : لا شك بوجه من الوجوه
فِيهِ
بل هو معلوم علما قطعيا ضروريا
وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ
أي : وهم القائلون ما ذكر
لا يَعْلَمُونَ
أي : لا يتجدد لهم علم لما لهم من النفوس والتردد والسفول عن أوج العقل إلى حضيض الجهل فهم واقفون مع المحسوسات لا يلوح لهم ذلك مع ما له من الظهور . وقوله تعالى :
وَلِلَّهِ
أي : الملك الأعظم وحده
مُلْكُ السَّماواتِ
أي : كلها
وَالْأَرْضِ
أي : التي ابتدأكم منها تعميم للقدرة بعد تخصيصها
وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ
أي : توجد وتتحقق تحقق القائم الذي هو على كمال تمكنه وتمام أمره الناهض بأعباء ما يريد ثم كرر للتأكيد والتهويل قوله تعالى
يَوْمَئِذٍ
أي : يوم تقوم يخسرون هكذا كان الأصل ولكنه قال تعالى للتعميم والتعليق بالوصف
يَخْسَرُ الْمُبْطِلُونَ
أي : الداخلون في الباطل العريقون في الاتّصاف به الذين كانوا لا يرضون بقضائي . تنبيه : الحياة والعقل والصحة كأنها رأس مال والتصرف فيها بطلب السعادة الأخروية يجري مجرى تصرف التاجر في ماله لطلب الربح ، والكفار قد أتعبوا أنفسهم في تصرفاتهم بالكفر والأباطيل فلم يجدوا في ذلك اليوم إلا الحرمان والخذلان ودخول النار وذلك في الحقيقة نهاية الخسران .
هامش
( 1 ) صدره :وخيل قد دلفت لها بخيل .والبيت من الوافر ، وهو لعمرو بن معد يكرب في ديوانه ص 149 ، وخزانة الأدب 9 / 252 ، 257 ، وشرح أبيات سيبويه 2 / 200 ، والكتاب 3 / 50 ، ونوادر أبي زيد ص 150 ، وبلا نسبة في أمالي ابن الحاجب 1 / 345 ، والخصائص 1 / 368 ، وشرح المفصل 2 / 80 ، والكتاب 2 / 323 ، والمقتضب 2 / 20 ، 4 / 413 .