تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير ) — صفحة 676

مساهمون:

ص٦٧٦
بعض المتشابه وهو ما يكون بيانه كافيا في رد بقية المتشابه إلى المحكم بالقياس عليه ، فإن الشأن في كل كتاب أن يجمع المحكم والمتشابه ، فالمحكم : ما ليس فيه التباس ، والمتشابه : ما يكون ملتبسا وفيه ما يرده إلى المحكم لكن على طريق الرمز والإشارة التي لا يذوقها إلا أهل البصائر ليتبين بذلك الصادق من الكاذب ، فالصادق الذي رسخ علما وإيمانا يرد المتشابه منه إلى المحكم أو يعجز فيقول : الله أعلم بمراده
رَبَّنا لا تُزِغْ قُلُوبَنا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنا
[ آل عمران : 8 ] ولا يتزلزل ، والكاذب يتبع المتشابه فيجريه على ظاهره كأهل الإلحاد الجوامد المفتونين أو يؤوله بحسب هواه بما لا يتمشى على قواعد العلم ولا يوافق المحكم فيفتتن . ولما بين لهم الأصول والفروع قال :
فَاتَّقُوا اللَّهَ
أي : خافوا من له الملك الأعظم من الكفر والإعراض عن دينه لأن له كل شيء منكم ومن غيركم ، ومن المعلوم لكل ذي عقل أنه لا يتصرف في ملك الغير بوجه من الوجه إلا بإذنه
وَأَطِيعُونِ
أي : فيما أبلغه عنه إليكم من التكاليف فطاعتي لأمره بما يرضيه هو ثمرة التقوى وكلما زاد المتقي في أعمال الطاعة زادت تقواه .
إِنَّ اللَّهَ
أي : الذي اختص بالجلال والجمال فكان أهلا لأن يتقى
هُوَ
أي : وحده
رَبِّي وَرَبُّكُمْ
أي : المحسن إلي وإليكم
فَاعْبُدُوهُ
أي : بما أمركم به لأنه صدقني في أمركم باتباعي بما أظهره على يدي فصار هو الآمر لكم لا أنا
هذا
أي : الأمر العظيم الذي دعوتكم إليه
صِراطٌ
أي : طريق واسع جدا واضح
مُسْتَقِيمٌ
لا عوج فيه . ولما كان الطريق الواضح القويم موجبا للاجتماع عليه والوفاق عند سلوكه بين تعالى أنهم اختلفوا فيه بقوله تعالى :
فَاخْتَلَفَ الْأَحْزابُ
أي : الفرق المتحزبة
مِنْ بَيْنِهِمْ
أي : اختلافا ناشئا ابتداء من بني إسرائيل في عيسى أهو الله ؟ أو ابن الله ؟ أو ثالث ثلاثة ؟ وقوله تعالى :
فَوَيْلٌ
كلمة عذاب
لِلَّذِينَ ظَلَمُوا
أي : وضعوا الشيء في غير موضعه بما قالوه في عيسى عليه السّلام
مِنْ عَذابِ يَوْمٍ أَلِيمٍ
أي : مؤلم وإذا كان اليوم مؤلما فما الظن بعذابه .
هَلْ يَنْظُرُونَ
أي : هل ينظر كفار مكة أو الذين ظلموا
إِلَّا السَّاعَةَ
أي : ساعة الموت العام والبعث والقيامة فإن ذلك لتحقق أمره كأنه موجود منظور إليه وقوله تعالى :
أَنْ تَأْتِيَهُمْ
بدل من الساعة ، فإن قيل : قوله تعالى :
بَغْتَةً
أي : فجأة يفيد قوله تعالى :
وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ
أي : بوقت مجيئها قبله ؟ أجيب : بأنه يجوز أن تأتيهم بغتة وهم يعرفونه بسبب أنهم يشاهدونه .
الْأَخِلَّاءُ
أي : الأحباء في الدنيا على المعصية وقوله تعالى :
يَوْمَئِذٍ
أي : يوم القيامة ، متعلق بقوله تعالى :
بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ
أي : يتعادون في ذلك اليوم لانقطاع العلق لظهور ما كانوا يتحابون له سببا للعذاب
إِلَّا الْمُتَّقِينَ
أي : المتحابين في الله على طاعة الله تعالى وهم الموحدون الذين يخالل بعضهم بعضا على الإيمان والتقوى فإن خلتهم لا تصير عداوة . روى أبو ثور عن معمر عن قتادة عن أبي إسحاق أن عليا قال في الآية : خليلان مؤمنان وخليلان كافران فمات أحد المؤمنين فقال : يا رب إن فلانا كان يأمرني بطاعتك وطاعة رسولك يأمرني بالخير وينهاني عن الشر ويخبرني أني ملاقيك يا رب فلا تضله بعدي واهده كما هديتني وأكرمه كما أكرمتني ، فإذا مات خليله المؤمن جمع الله بينهما فيقول : ليثنين أحدكم على صاحبه فيقول : نعم الأخ ونعم الخليل ونعم الصاحب ، قال : ويموت أحد الكافرين فيقول : يا رب إن فلانا كان ينهاني عن طاعتك وطاعة رسولك ويأمرني بالشر وينهاني عن الخير ويخبرني أني غير ملاقيك فبئس الأخ وبئس الخليل وبئس الصاحب .