تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير ) — صفحة 648

مساهمون:

ص٦٤٨
تعالى ؟ أجيب : بأنه يحمل هذا على الرضا بقضاء الله تعالى من صميم القلب وأن لا يكون في قلبه منازعة . الصفة الخامسة : قوله سبحانه وتعالى :
وَأَقامُوا
أي : أداموا
الصَّلاةَ
الواجبة
وَأَمْرُهُمْ
أي : كل ما ينوبهم مما يحوجهم إلى تدبير
شُورى بَيْنَهُمْ
أي : يتشاورون فيه مشاورة عظيمة مبالغين بما لهم من قوة الباطن ولا يعجلون في أمورهم والشورى مصدر كالفتيا بمعنى التشاور . الصفة السادسة ، قوله تعالى :
وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ
أي : أعطيناهم بعظمتنا من غير حول منهم ولا قوة
يُنْفِقُونَ
أي : يديمون الإنفاق في سبيل الله تعالى كرما منهم ، وإن قل ما بأيديهم اعتمادا على فضل الله تعالى لا يقبضون أيديهم كالمنافقين .
وَالَّذِينَ إِذا أَصابَهُمُ الْبَغْيُ
أي : وقع بهم وأثر فيهم وهو التمادي على الرمي بالشر
هُمْ يَنْتَصِرُونَ
أي : ينتقمون ممن ظلمهم بمثل ظلمه ، كما قال تعالى :
وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها
سميت الثانية سيئة لمشابهتها للأولى في الصورة قال مقاتل : يعني القصاص وهي الجراحات والدماء ، وقال مجاهد والسدي : هو جواب القبيح إذا قال : أخزاك الله يقول : أخزاك الله وإذا شتمك فاشتمه بمثلها من غير أن تعتدي ، قال سفيان بن عيينة : سألت سفيان الثوري عن ذلك فقال : إن شتمك رجل فتشتمه أو يفعل كذا فتفعل به فلم أجد عنده شيئا ، فسأل هشام بن حجر عن ذلك فقال : الجارح إذا جرح يقتص منه وليس هو أن يشتمك وتشتمه وقد تكفلت هذه الجمل بأمهات الفضائل الثلاث ، العلم والعفة والشجاعة على أحسن الوجوه ، فالمدح بالاستجابة والصلاة دعاء إلى العلم وبالنفقة إلى العفة وبالانتصار إلى الشجاعة حتى لا يظن أن إذعانهم لما مضى مجرد ذل ، والقصر على المماثلة دعاء إلى فضيلة التقسيط بين الكل وهي العدل ، وهذه الأخيرة كافلة بالفضائل الثلاث فإن من علم المماثلة كان عالما ، ومن قصد الوقوف عندها كان عفيفا ومن قسر نفسه على ذلك كان شجاعا وقد ظهر من المدح بالانتصار بعد المدح بالغفران أن الأول : للعاجز ، والثاني : للمتغلب المتكبر بدليل البغي ، فإن قيل : هذه الآية مشكلة لوجهين ؛ الأول : أنه لما ذكر قبله
وَإِذا ما غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ
، كيف يليق أن يذكر معه ما يجري مجرى الضد له وهو
الَّذِينَ إِذا أَصابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ
، الثاني : أن جميع الآيات دالة على أن العفو أحسن ، قال تعالى :
وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوى
[ البقرة : 237 ] وقال تعالى :
وَإِذا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِراماً
[ الفرقان : 72 ] وقال تعالى :
خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ
[ الأعراف : 199 ] . أجيب : بأن العفو على قسمين ؛ أحدهما : أن يصير العفو سببا لتسكين الفتنة ورجوع الجاني عن جنايته ، والثاني : أن يصير العفو سببا لمزيد جراءة الجاني وقوة غيظه وغضبه ، فآيات العفو محمولة على القسم الأول وهذه الآية محمولة على القسم الثاني ، وحينئذ يزول التناقض روي : « أن زينب أقبلت على عائشة تشتمها فنهاها النبي صلّى اللّه عليه وسلم عنها فلم تنته ، فقال لها النبي صلّى اللّه عليه وسلم : سبيها » « 1 » . وأيضا فإنه تعالى لم يرغّب في الانتصار بل بين أنه مشروع فقط ، ثم بين أن مشروعيته مشروطة برعاية المماثلة بقوله تعالى :
وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها
ثم بين أن العفو أولى بقوله تعالى :
فَمَنْ
هامش
( 1 ) أخرجه أبو داود في الأدب حديث 4898 ، وأحمد في المسند 6 / 130 .