تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير ) — صفحة 614

مساهمون:

ص٦١٤
يرجى له أن يغلب ويظفر بمراده في أن لا يميل إليه أحد وسكت ونسي ما كان يقول ، وهذا يدل على أنهم عارفون بأن من يسمعه مال إليه وأقبل بكليته عليه وقد فضحوا أنفسهم بهذا فضيحة لا مثل لها .
فَلَنُذِيقَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا
أظهر في موضع الإضمار إذ أصله فلنذيقنهم ، لكنه أظهر تعميما وتعليقا بالوصف
عَذاباً شَدِيداً
في الدنيا بالحرمان وما يتبعه من فنون الهوان ، وفي الآخرة بالنيران
وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ
أي : بأعمالهم
أَسْوَأَ
أي : سوء العمل
الَّذِي كانُوا يَعْمَلُونَ
أي : مواظبين عليه .
ذلِكَ
أي : الجزاء الأسوأ العظيم جدا
جَزاءُ أَعْداءِ اللَّهِ
أي : الملك الأعظم ، ثم بينه بقوله تعالى :
النَّارُ
وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو في الوصل بإبدال الهمزة الثانية المفتوحة واوا خالصة ، والباقون بتحقيقهما ، وأما الابتداء بالثانية فالجميع بالتحقيق ، ثم فصّل بعض ما في النار بقوله تعالى :
لَهُمْ فِيها
أي : النار
دارُ الْخُلْدِ
أي : فإنها دار إقامة ، قال الزمخشري : فإن قلت ما معنى قوله :
لَهُمْ فِيها دارُ الْخُلْدِ
قال : قلت : إن النار في نفسها دار الخلد كقوله تعالى :
لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ
[ الأحزاب : 21 ] أي : الرسول هو نفس الأسوة . وقال البيضاوي : هو كقولك في هذه الدار دار سرور يعني بالدار عينها على أن المقصود هو الصفة قال ابن عادل : في هذا نظر إذ الظاهر وهو معنى صحيح منقول أن في النار دارا تسمى دار الخلد والنار محيطة بها وهذا أولى ، وقوله تعالى :
جَزاءُ
منصوب بالمصدر الذي قبله وهو
جَزاءُ أَعْداءِ اللَّهِ
والمصدر ينصب بمثله كقوله تعالى :
فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزاؤُكُمْ جَزاءً مَوْفُوراً
[ الإسراء : 63 ]
بِما كانُوا بِآياتِنا
أي : على ما لنا من العظمة
يَجْحَدُونَ
أي : يلغون في القراءة وسماه جحدا لأنهم لما علموا أن القرآن بالغ إلى حد الإعجاز خافوا من أنه لو سمعه الناس لآمنوا فاستخرجوا تلك الطريقة الفاسدة ، وذلك يدل على أنهم علموا كونه معجزا وأنهم جحدوا حسدا . ولما بين تعالى أن الذي حملهم على الكفر الموجب للعذاب الشديد مجالسة قرناء السوء بين ما يقولون في النار بقوله تعالى :
وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا
أي : غطوا أنوار عقولهم داعين بما لا يسمع لهم فهو زيادة في عقوبتهم وحكايته لها وعظ وتحذير
رَبَّنا
أي : يا أيها الذي لم يقطع قط إحسانه عنا
أَرِنَا
الصنفين
الَّذَيْنِ أَضَلَّانا
أي : عن المنهج الموصل إلى محل الرضوان
مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ
لأن الشيطان على ضربين جني وإنسي ، قال تعالى :
وَكَذلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَياطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ
[ الأنعام : 112 ] وقال تعالى :
الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ ( 5 ) مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ
[ الناس : 5 - 6 ] وقيل : هما إبليس وقابيل بن آدم الذي قتل أخاه ، لأن الكفر سنه إبليس ، والقتل بغير حق سنه قابيل ، فهما سنا المعصية ، وقرأ ابن كثير والسوسي ، وابن عامر وشعبة بسكون الراء من أرنا ، واختلس الدوري كسر الراء ، وكسرها الباقون ، وشدد ابن كثير النون من اللذين
نَجْعَلْهُما تَحْتَ أَقْدامِنا
في النار إذلالا لهما كما جعلانا تحت أمرهما
لِيَكُونا مِنَ الْأَسْفَلِينَ
قال مقاتل : أسفل منافي النار ، وقال الزجاج : ليكونا في الدرك الأسفل من النار أي : من أهل الدرك الأسفل وممن هو دوننا كما جعلانا كذلك في الدنيا في حقيقة الحال باتباعنا لهما ، وقال بعض الحكماء : المراد باللذين أضلانا : الشهوة والغضب ، والمراد بجعلهما تحت أقدامهم : كونهما مسخرين للنفس مطيعين لها وأن لا يكونا مستوليين عليها ظاهرين عليها .