تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير ) — صفحة 61

مساهمون:

ص٦١
منه ، ولذلك قال في دعائه
إِنَّهُ كانَ مِنَ الضَّالِّينَ
فلو لا اعتقاده فيه أنه في الحال ليس بضالّ لما قال ذلك ، وقيل : إن الاستغفار للكفار لم يكن ممنوعا إذ ذاك .
وَلا تُخْزِنِي
أي : تفضحني
يَوْمَ يُبْعَثُونَ
أي : العباد ، فإن قيل : كان قوله :
وَاجْعَلْنِي مِنْ وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ
كافيا عن هذا وأيضا قال تعالى :
إِنَّ الْخِزْيَ الْيَوْمَ وَالسُّوءَ عَلَى الْكافِرِينَ
[ النحل : 27 ] فما كان نصيب الكفار فقط كيف يخافه المعصوم ؟ أجيب : بأن حسنات الأبرار سيئات المقربين ، فكذا درجات الأبرار خزي المقرّبين وخزي كل واحد بما يليق به . ولما نبه عليه السّلام على أنّ المقصود هو الآخرة صرح بالتنزيه في الدنيا بقوله :
يَوْمَ لا يَنْفَعُ
أي : أحدا
مالٌ
أي : يفتدى به أو يبذله لشافع أو ناصر وقاهر
وَلا بَنُونَ
ينتصر بهم أو يعتضد فكيف بغيرهم ، وفي استثناء قوله :
إِلَّا مَنْ
أوجه : أحدها : أنه منقطع وجرى عليه الجلال المحلي أي : لكن من
أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ
فإنه ينفعه ذلك ، الثاني : أنه مفعول به لقوله تعالى : لا ينفع أي : لا ينفع المال والبنون إلا هذا الشخص فإنه ينفعه ماله المصروف في وجوه البرّ وبنوه الصلحاء لأنه علمهم وأحسن إليهم ، الثالث : أنه بدل من المفعول المحذوف ومستثنى منه إذ التقدير لا ينفع مال ولا بنون أحدا من الناس إلا من كانت هذه صفته . واختلف في القلب السليم على أوجه : قال الرازي أصحها : أنّ المراد منه سلامة النفس عن الجهل والأخلاق الرذيلة ، الثاني : أنه الخالص من الشرك والنفاق وهو قلب المؤمن وجرى على هذا الجلال المحلي وأكثر المفسرين ، فإنّ الذنوب قل أن يسلم منها أحد ، وهذا معنى قول سعيد بن المسيب . السليم : هو الصحيح وهو قلب المؤمن فإن قلب الكافر والمنافق مريض ، قال تعالى :
فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ
[ البقرة : 10 ] الثالث : أنه الذي سلم وسلّم وأسلم وسالم واستسلم ، الرابع : أنه هو اللديغ أي : القلق المنزعج من خشية الله ، لكن قال الزمخشريّ : أنّ القولين الأخيرين من بدع التفاسير . وقوله تعالى :
وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ
حال من واو يبعثون ، ومعنى أزلفت قربت أي : قربت الجنة
لِلْمُتَّقِينَ
فتكون قريبة من موقف السعداء ينظرون إليها ويفرحون بأنهم المحشورون إليها زيادة إلى شرفهم .
وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ
أي : كشفت وظهرت النار الشديدة
لِلْغاوِينَ
أي : الكافرين فيرونها مكشوفة ويحشرون على أنهم المسوقون إليها زيادة في هوانهم . تنبيه : في اختلاف الفعلين بترجيح لجانب الوعد على الوعيد حيث قال في حق المتقين وأزلفت أي : قربت وفي حق الغاوين وبرّزت أي : أظهرت ولا يلزم من الظهور القرب .
وَقِيلَ لَهُمْ
تبكيتا وتنديما وتوبيخا ، وأبهم القائل ليصلح لكل أحد تحقيرا لهم ، ولأنّ المراد نفس القول لا كونه من معين
أَيْنَ ما
أي : أين الذي
كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ
في الدنيا . ثم حقر معبوداتهم بقوله تعالى :
مِنْ دُونِ
أي : من أدنى رتبة من رتب
اللَّهِ
أي : الملك الذي لا كفء له ، وكنتم تزعمون أنهم يشفعون لكم ويقونكم شرّ هذا اليوم
هَلْ يَنْصُرُونَكُمْ
بدفع العذاب عنكم
أَوْ يَنْتَصِرُونَ
بدفعه عن أنفسهم .
فَكُبْكِبُوا
أي : فتسبب عن عجزهم أن ألقوا
فِيها
أي : في مهواة الجحيم
هُمْ
أي : الأصنام وما شابهها من الشياطين ونحوهم
وَالْغاوُونَ
أي : الذين ضلوا بهم ، والكبكبة : تكرار