تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير ) — صفحة 565

مساهمون:

ص٥٦٥
بأن يقولوا
رَبَّنا
أي : أيها المحسن إلينا بالإيمان وغيره فهو معمول لقول مضمر في محل نصب على الحال من فاعل يستغفرون أو خبر بعد خبر
وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْماً
أي : وسعت رحمتك كل شيء وعلمك كل شيء ، فأزيل الكلام عن أصله بأن أسند الفعل إلى صاحب الرحمة والعلم وأخرجا منصوبين على التمييز للإغراق في وصفه بالرحمة والعلم كأنّ ذاته رحمة وعلم واسعان كل شيء ، وأكثر ما يكون الدعاء بذكر الرب لأن الملائكة قالوا في هذه الآية وقال آدم عليه السّلام :
رَبَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا
[ الأعراف : 23 ] وقال نوح عليه السّلام :
رَبِّ إِنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ
[ الشعراء : 117 ] وقال :
رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوالِدَيَّ
[ إبراهيم : 41 ] وقال إبراهيم عليه السّلام :
رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتى
[ البقرة : 260 ] وقال :
رَبَّنا وَاجْعَلْنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ
[ البقرة : 128 ] وقال يوسف عليه السّلام :
رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ
[ يوسف : 101 ] وقال موسى عليه السّلام :
قالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ
[ الأعراف : 143 ] وقال :
رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي
[ القصص : 16 ] وقال سليمان عليه السّلام :
رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكاً
[ ص : 35 ] وقال عيسى عليه السّلام :
رَبَّنا أَنْزِلْ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ
[ المائدة : 114 ] وقال تعالى لمحمد صلّى اللّه عليه وسلم :
وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزاتِ الشَّياطِينِ
[ المؤمنون : 97 ] . فإن قيل : لفظ الله أعظم من لفظ الرب فلم خص لفظ رب بالدعاء ؟ أجيب : بأن العبد يقول : كنت في العدم المحض والنفي الصرف فأخرجتني إلى الوجود وربيتني فاجعل تربيتك وإحسانك سببا لإجابة دعائي
فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تابُوا
أي : رجعوا إليك عن ذنوبهم برحمتك لهم بأن تمحوها عينا وأثرا فلا عقاب ولا عتاب ولا ذكر لها
وَاتَّبَعُوا
أي : كلفوا أنفسهم على مالها من العوج أن لزموا
سَبِيلَكَ
المستقيم الذي لا لبس فيه . ولما كان الغفران قد يكون لبعض الذنوب وكان سبحانه وتعالى له أن يعذب من لا ذنب له وأن يعذب من غفر ذنبه قالوا :
وَقِهِمْ عَذابَ الْجَحِيمِ
أي : اجعل بينهم وبينه وقاية بأن تلزمهم الاستقامة وتتم نعمتك عليهم فإنك وعدت من كان كذلك بذلك ولا يبدل القول لديك وإن كان يجوز أن تفعل ما تشاء وإن الخلق عبيدك . ولما طلبوا من الله سبحانه وتعالى إزالة العذاب عنهم وكان ذلك لا يستلزم الثواب قالوا مكررين صفة الإحسان زيادة في الرقة في طلب الامتنان :
رَبَّنا
أيها المحسن إلينا
وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ
أي : إقامة
الَّتِي وَعَدْتَهُمْ
أي : إياها وقولهم :
وَمَنْ صَلَحَ
معطوف على هم في وعدتهم وقدموا قولهم :
مِنْ آبائِهِمْ
على قولهم :
وَأَزْواجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ
لأن الآباء أحق الناس بالإجلال وقدموا الأزواج في اللفظ على الذرية لأنهم أشد إلصاقا بالشخص وطلبوا لهم ذلك لأن الإنسان لا يتم نعيمه إلا بأهله ، قال سعيد بن جبير : يدخل الجنة المؤمن فيقول : أين أبي أين ولدي وزوجتي ؟ فيقال له : إنهم لم يعملوا مثل عملك ، فيقول : إني كنت أعمل لي ولهم ، فيقال : أدخلوهم الجنة .
إِنَّكَ أَنْتَ
أي : وحدك
الْعَزِيزُ
أي : فأنت تغفر لمن شئت
الْحَكِيمُ
فكل فعلك في أتم مواضعه فلا يتهيأ لأحد نقضه ولا نقصه .
وَقِهِمُ السَّيِّئاتِ
أي : بأن تجعل بينهم وبينها وقاية بأن تطهرهم من الأخلاق الحاملة عليها ، فإن قيل : هذا مكرر مع قوله :
وَقِهِمْ عَذابَ الْجَحِيمِ
؟ أجيب : بأن التفاوت حاصل من وجهين : أحدهما : أن يكون قولهم وقهم عذاب الجحيم دعاء مذكورا للأصول وقولهم : وقهم السيئات دعاء مذكورا للفروع وهم الآباء والأزواج والذريات ، ثانيهما : أن يكون قوله :
وَقِهِمْ عَذابَ الْجَحِيمِ
مقصورا على إزالة عذاب الجحيم وقوله :
وَقِهِمُ السَّيِّئاتِ
يتناول عذاب
تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير ) — صفحة 565 | الخطيب الشربيني / إبراهيم شمس الدين