تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير ) — صفحة 535

مساهمون:

ص٥٣٥
فوضع الظاهر موضعه تسجيلا عليهم بالظلم
ذُوقُوا ما
أي : وبال الذي
كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ
أي : تعملون في الدنيا من المعاصي . ولما بين تعالى كيفية عقاب القاسية قلوبهم في الآخرة وبين كيفية وقوعهم في العذاب قال تعالى :
كَذَّبَ الَّذِينَ
وأشار إلى قرب زمان المعذبين من زمانهم بإدخال الجار فقال تعالى :
مِنْ قَبْلِهِمْ
أي : من قبل كفار مكة أي : مثل سبأ وقوم تبع كذبوا رسلهم في إتيان العذاب
فَأَتاهُمُ الْعَذابُ مِنْ حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ
أي : من جهة لا يخطر ببالهم أن الشر يأتيهم منها .
فَأَذاقَهُمُ اللَّهُ
أي : الذي له القدرة الكاملة
الْخِزْيَ
أي : الذل والهوان من المسخ والقتل وغيرهما
فِي الْحَياةِ الدُّنْيا
أي : العاجلة الدنيئة
وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ
أي : المعد لهم
أَكْبَرُ
أي : من ذلك الذي وقع بهم في الدنيا
لَوْ كانُوا
أي : المكذبون
يَعْلَمُونَ
أي : عذابها ما كذبوا ولكن لا علم لهم أصلا إن هم إلا كالأنعام بل هم أضل سبيلا . ولما ذكر تعالى هذه الفوائد الكثيرة في هذه المطالب بين أن هذه البينات بلغت حد الكمال والتمام فقال تعالى :
وَلَقَدْ ضَرَبْنا
أي : جعلنا
لِلنَّاسِ
أي : عامة لأن رسالته صلّى اللّه عليه وسلم عامة
فِي هذَا الْقُرْآنِ
أي : الجامع لكل علم وكل خير
مِنْ كُلِّ مَثَلٍ
أي : يحتاج إليه الناظر في أمر دينه
لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ
أي : يتعظون به وقرأ نافع وقالون وابن كثير وعاصم بإظهار الدال عند الضاد والباقون بالإدغام . وقوله تعالى :
قُرْآناً عَرَبِيًّا
فيه ثلاثة أوجه ؛ أحدها : أن يكون منصوبا على المدح لأنه لما كان نكرة امتنع اتباعه للقرآن ، ثانيها : أن ينتصب بيتذكرون أي : يتذكرون قرآنا ، ثالثها : أن ينتصب على الحال من القرآن على أنها حال مؤكدة وتسمى حالا موطئة لأن الحال في الحقيقة عربيا وقرآنا توطئة له نحو جاء زيد رجلا صالحا
غَيْرَ ذِي عِوَجٍ
أي : مستقيما بريئا من التناقض والاختلاف نعت لقرآنا أو حال أخرى . فإن قيل : هلا قيل : مستقيما أو غير معوج ؟ أجيب : بأن في ذلك فائدتين إحداهما : نفي أن يكون فيه عوج قط كما قال تعالى :
وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجاً
[ الكهف : 1 ] ثانيتهما : أن لفظ العوج مختص بالمعاني دون الأعيان ، وقيل : المراد بالعوج الشك واللبس قال القائل « 1 » :
وقد أتاك يقين غير ذي عوج * من الإله وقول غير مكذوب
لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ
أي : الكفر . تنبيه : وصف تعالى القرآن بثلاث صفات ؛ أولها : كونه قرآنا والمراد كونه قرآنا والمراد كونه متلوا في المحاريب إلى قرب قيام الساعة ، ثانيها : كونه عربيا أي : أنه أعجز الفصحاء والبلغاء عن معارضته كما قال تعالى :
قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ
[ الإسراء : 88 ] ثالثها : كونه غير ذي عوج ، قال مجاهد : غير ذي لبس وقال ابن عباس رضي الله عنهما : غير مختلف ، وقال السدي : غير مخلوق ، ويروى ذلك عن مالك بن أنس ، وحكى شقيق وابن عيينة عن سبعين من التابعين : أن القرآن ليس بخالق ولا مخلوق . ولما شرح الله تعالى وعيد الكفار مثل لما يدل على فساد مذهبهم وقبيح طريقتهم بقوله
هامش
( 1 ) البيت لم أجده في المصادر والمراجع التي بين يدي .
تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير ) — صفحة 535 | الخطيب الشربيني / إبراهيم شمس الدين