قالَ لَهُمْ مُوسى
أي : مريدا لإبطال سحرهم لأنه لا يتمكن منه إلا بإلقاءهم
أَلْقُوا ما أَنْتُمْ مُلْقُونَ
فإن قيل : كيف أمرهم بفعل السحر ؟ أجيب : بأنه لم يرد بذلك أمرهم بالسحر والتمويه بل الأذن بتقديم ما هم فاعلوه لا محالة توسلا به إلى إظهار الحق .
فَأَلْقَوْا
أي : فتسبب عن قول موسى عليه السّلام وتعقبه أن ألقوا
حِبالَهُمْ وَعِصِيَّهُمْ
أي : التي أعدّوها للسحر
وَقالُوا
مقسمين
بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ
وهي من أيمان الجاهلية ، وهكذا كل حلف بغير الله ، ولا يصح في الإسلام إلا الحلف بالله تعالى أو باسم من أسمائه أو صفة من صفاته كقولك والله والرحمن ورب العرش وعزة الله وقدرة الله وجلال الله وعظمة الله ، قال رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم : « لا تحلفوا بآبائكم ولا بأمهاتكم ولا بالطواغيت ولا تحلفوا إلا بالله ولا تحلفوا بالله إلا وأنتم صادقون » « 1 » ولقد استحدث الناس في هذا الباب في إسلامهم جاهلية نسيت لها الجاهلية الأولى ، وذلك أن الواحد منهم لو أقسم بأسماء الله كلها وصفاته على شيء لم يقبل منه ولم يعتد بها حتى يقسم برأس سلطانه ، فإذا أقسم به فتلك عندهم جهد اليمين التي ليس وراءها حلف لحالف ، ثم إنهم أكدوا يمينهم بأنواع من التوكيد بقولهم :
إِنَّا لَنَحْنُ
أي : خاصة لا نستثني
الْغالِبُونَ
وذلك لفرط اعتقادهم في أنفسهم ، أو لإتيانهم بأقصى ما يمكن أن يؤتى به من السحر .
فَأَلْقى
أي : فتسبب عن صنع السحرة وتعقبه أن ألقى
مُوسى عَصاهُ
التي جعلت آية له وتسبب عن إلقائه قوله تعالى :
فَإِذا هِيَ تَلْقَفُ
أي : تبتلع في الحال بسرعة وهمة
ما يَأْفِكُونَ
أي : ما يقلبونه عن وجهه وحقيقته بسحرهم وكيدهم ويزوّرونه فيخيلون في حبالهم وعصيهم أنها حيات تسعى بالتمويه على الناظرين أو إفكهم ، سمى تلك الأشياء إفكا مبالغة ، وقرأ حفص بسكون اللام وتخفيف القاف ، وقرأ الباقون بفتح اللام وتشديد القاف ، وشدّد البزي التاء في الوصل وخففها الباقون .
فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ
أي : عقب فعلها من غير تلبث
ساجِدِينَ
أي : فسجدوا بسرعة عظيمة حتى كأن ملقيا ألقاهم من قوة إسراعهم علما منهم بأنّ هذا من عند الله فأمسوا أتقياء بررة بعدما جاؤوا في صبح ذلك اليوم سحرة كفرة .
روي أنهم قالوا : إن يك ما جاء به موسى سحرا فلن نغلب وإن يك من عند الله فلن يخفى علينا ، فلما قذف عصاه فتلقفت ما أتوا به علموا أنه من عند الله فآمنوا . وعن عكرمة أصبحوا سحرة وأمسوا شهداء ، وإنما عبر عن الخرور بالإلقاء لأنه ذكر مع الإلقاآت فسلك به طريقة المشاكلة ، وفيه أيضا : مع مراعاة المشاكلة أنهم حين رأوا ما رأوا لم يتمالكوا أن رموا بأنفسهم إلى الأرض ساجدين كأنهم أخذوا فطرحوا طرحا ، فإن قيل : فاعل الإلقاء ما هو لو صرح به ؟ .
أجيب : بأنه الله تعالى بما خوّلهم من التوفيق أو إيمانهم أو ما عاينوا من المعجزة الباهرة ، قال الزمخشري : ولك أن لا تقدر فاعلا لأنّ ألقوا بمعنى خرّوا وسقطوا .
ولما كان كأنه قيل : هذا فعلهم فما كان قولهم : قيل :
قالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعالَمِينَ
أي : الذي دعا إليه موسى عليه السّلام أول ما تكلم وقولهم :
رَبِّ مُوسى وَهارُونَ
عطف بيان لرب العالمين ، لأنّ فرعون كان يدعي الربوبية وأرادوا أن يعذلوه ، ومعنى إضافته إليهما في ذلك المقام أنه الذي دعا إليه
هامش
( 1 ) أخرجه أبو داود في الأيمان حديث 3348 ، والنسائي في الأيمان والنذور حديث 3769 .