تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير ) — صفحة 443

مساهمون:

ص٤٤٣
في قوله تعالى
مَنْ كانَ حَيًّا
على قولين : أحدهما : أن المراد به المؤمن ؛ لأنه حي القلب والكافر كالميت في أنه لا يتدبر ولا يتفكر قال تعالى
أَ وَمَنْ كانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْناهُ
[ الأنعام : 122 ] . والثاني : المراد به العاقل فهما فيعقل ما يخاطب به فإن الغافل كالميت
وَيَحِقَّ
أي : يجب ويثبت
الْقَوْلُ
أي : العذاب
عَلَى الْكافِرِينَ
أي : العريقين في الكفر فإنهم أموات في الحقيقة وإن رأيتهم أحياء ، ويمكن أن تكون هذه الآية من الاحتباك حذف الإيمان أولا لما دل عليه من ضده ثانيا ، وحذف الموت ثانيا لما دل عليه من ضده أولا ، وأفرد الضمير في الأول على اللفظ إشارة إلى قلة السعداء ، وجمع في الثاني على المعنى إعلاما بكثرة الأشقياء .

[ سورة يس ( 36 ) : الآيات 71 إلى 83 ]

أَ وَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينا أَنْعاماً فَهُمْ لَها مالِكُونَ ( 71 ) وَذَلَّلْناها لَهُمْ فَمِنْها رَكُوبُهُمْ وَمِنْها يَأْكُلُونَ ( 72 ) وَلَهُمْ فِيها مَنافِعُ وَمَشارِبُ أَ فَلا يَشْكُرُونَ ( 73 ) وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لَعَلَّهُمْ يُنْصَرُونَ ( 74 ) لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهُمْ وَهُمْ لَهُمْ جُنْدٌ مُحْضَرُونَ ( 75 ) فَلا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ إِنَّا نَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وَما يُعْلِنُونَ ( 76 ) أَ وَلَمْ يَرَ الْإِنْسانُ أَنَّا خَلَقْناهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ ( 77 ) وَضَرَبَ لَنا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ قالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظامَ وَهِيَ رَمِيمٌ ( 78 ) قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَها أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ ( 79 ) الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ ناراً فَإِذا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ ( 80 ) أَ وَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلى وَهُوَ الْخَلاَّقُ الْعَلِيمُ ( 81 ) إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ( 82 ) فَسُبْحانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ( 83 ) .
أَ وَلَمْ يَرَوْا
أي : يعلموا علما هو كالرؤية ، والاستفهام للتقرير والواو الداخلة عليها للعطف
أَنَّا خَلَقْنا لَهُمْ
أي : في جملة الناس
مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينا
أي : مما تولينا إحداثه ولم يقدر على إحداثه غيرنا ، وذكر الأيدي وإسناد العمل إليها استعارة تفيد المبالغة في الاختصاص والتفرد في الإحداث ، كما يقول القائل : عملت هذا بيدي إذا تفرد به ولم يشاركه فيه أحد
أَنْعاماً
على علم منا بقواها ومقاديرها ومنافعها وطبائعها وغير ذلك من أمورها ، وإنما خص الأنعام بالذكر وإن كانت الأشياء كلها من خلقه وإيجاده ، لأن الأنعام أكثر أموال العرب والنفع بها أعم
فَهُمْ لَها مالِكُونَ
أي : خلقناها لأجلهم فملكناهم إياها يتصرفون فيها تصرف الملاك أو فهم لها ضابطون قاهرون ومنه قول بعضهم « 1 » :
أصبحت لا أملك السلاح ولا * أملك رأس البعير إن نفرا
والذئب أخشاه إن مررت به * وحدي وأخشى الرياح والمطرا
والشاهد في قوله : ولا أملك رأس البعير أي : لا أضبطه والمعنى : لم نخلق الأنعام وحشية نافرة من بني آدم لا يقدرون على ضبطها بل خلقناها مذللة كما قال تعالى :
وَذَلَّلْناها لَهُمْ
أي : يسرنا قيادها ولو شئنا جعلناها وحشية كما جعلنا أصغر منها وأضعف ، فمن قدر على تذليل الأشياء
هامش
( 1 ) البيتان من المنسرح ، وهما للربيع بن ضبع الفزاري في أمالي المرتضى 1 / 256 ، وحماسة البحتري ص 201 ، وخزانة الأدب 7 / 384 ، والدرر 5 / 22 ، وشرح التصريح 2 / 36 ، والكتاب 1 / 90 ، ولسان العرب ( ضمن ) ، والمقاصد النحوية 3 / 397 ، ونوادر أبي زيد ص 159 ، وبلا نسبة في الأشباه والنظائر 7 / 173 ، وأوضح المسالك 3 / 114 ، والرد على النحاة ص 115 ، والمحتسب 2 / 99 .
تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير ) — صفحة 443 | الخطيب الشربيني / إبراهيم شمس الدين