تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير ) — صفحة 429

مساهمون:

ص٤٢٩
للسباحة على وجه الماء بقوله تعالى :
وَآيَةٌ لَهُمْ
أي : على قدرتنا التامة
أَنَّا
أي : على ما لنا من العظمة
حَمَلْنا ذُرِّيَّتَهُمْ
أي : آباءهم الأصول ، قال البغوي : واسم الذرية يقع على الآباء كما يقع على الأولاد والألف واللام في قوله تعالى
فِي الْفُلْكِ
للتعريف أي : فلك نوح عليه الصلاة والسلام وهو مذكور في قوله تعالى
وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنا
[ هود : 37 ] وهو معلوم عند العرب ثم وصف الفلك بقوله تعالى :
الْمَشْحُونِ
أي : الموقر المملوء حيوانا وناسا وهو يتقلب في تلك المياه التي لم ير أحد قط مثلها ولا يرى أيضا ومع ذلك فسلمها الله تعالى ، وأيضا الآدمي يرسب في الماء ويغرق فحمله في الفلك وقع بقدرته تعالى لكن من الطبيعيين من يقول : الخفيف لا يرسب ؛ لأنه يطلب جهة فوق فقال
الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ
أثقل من الثقال التي ترسب ومع هذا حمل الله الإنسان فيه مع ثقله . وقال أكثر المفسرين : إن الذرية لا تطلق إلا على الولد وعلى هذا فالمراد : إما أن يكون الفلك المعين الذي كان لنوح عليه الصلاة والسلام وإما أن يكون المراد الجنس كقوله تعالى
وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَالْأَنْعامِ ما تَرْكَبُونَ
[ الزخرف : 12 ] وقوله تعالى
وَتَرَى الْفُلْكَ فِيهِ مَواخِرَ
[ فاطر : 12 ] وقوله تعالى
فَإِذا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ
[ العنكبوت : 65 ] إلى غير ذلك من استعمال لام التعريف في الفلك لبيان الجنس ، فإن كان المراد : سفينة نوح عليه السّلام ففيه وجوه . الأول : أن المراد حملنا أولادهم إلى يوم القيامة في ذلك الفلك ولولا ذلك ما بقي للأب نسل ولا عقب وعلى هذا فقوله تعالى
حَمَلْنا ذُرِّيَّتَهُمْ
إشارة إلى كمال النعمة أي : لم تكن النعمة مقتصرة عليكم بل متعدية إلى أعقابكم إلى يوم القيامة وهذا قول الزمخشري قال ابن عادل : ويحتمل أن يقال : إنه تعالى إنما خص الذرية بالذكر ؛ لأن الموجودين كانوا كفارا لا فائدة في وجودهم فقال تعالى
حَمَلْنا ذُرِّيَّتَهُمْ
أي : لم يكن الحمل حملا لهم وإنما كان حملا لما في أصلابهم من المؤمنين كمن حمل صندوقا لا قيمة له وفيه جواهر قيل : إنه لم يحمل الصندوق وإنما حمل ما فيه . ثانيها : أن المراد بالذرية الجنس أي : حملنا أجناسهم ؛ لأن ذلك الحيوان من جنسه ونوعه والذرية تطلق على الجنس ولذلك تطلق على النساء لنهي النبي صلّى اللّه عليه وسلم عن قتل الذراري « 1 » أي : النساء لأن المرأة ، وإن كانت صنفا غير صنف الرجل لكنها من جنسه ونوعه يقال : ذرارينا أي : أمثالنا . ثالثها : أن الضمير في قوله تعالى
وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ
للعباد وكذا
وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنا ذُرِّيَّتَهُمْ
وإذا علم هذا فكأنه تعالى قال : وآية للعبادة أنا حملنا ذرية العباد ولا يلزم أن يكون المراد بالضمير في الموضعين أشخاصا معينين كقوله تعالى
وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ
[ النساء : 29 ]
وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ
[ الأنعام : 65 ] ولذلك إذا تقاتل قوم ومات الكل في القتال فقال هؤلاء القوم : هم قتلوا أنفسهم فهم في الموضعين يكون عائدا إلى القوم ولا يكون المراد أشخاصا معينين بل المراد أن بعضهم قتل بعضهم فكذلك قوله تعالى
وَآيَةٌ لَهُمْ
أي : آية لكل بعض منهم أنا حملنا ذرية كل بعض منهم أو ذرية بعض منهم وإن قلنا المراد : جنس الفلك قال ابن عادل : وهو الأظهر ؛ لأن
هامش
( 1 ) في الحديث أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم قال : « لا تقتلنّ ذرّية ولا عسيفا » أخرجه ابن ماجة في الجهاد باب 30 ، والدارمي في السير باب 24 ، وأحمد في المسند 3 / 435 ، 488 ، 4 / 178 .