تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير ) — صفحة 425

مساهمون:

ص٤٢٥
مجاز أي : هذا أوانك فاحضري ، ثم بين تعالى سبب الحسرة والندامة بقوله تعالى :
ما يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ
أي رسول كان في أي وقت كان
إِلَّا كانُوا بِهِ
أي : بذلك الرسول
يَسْتَهْزِؤُنَ
والمستهزئ بالناصحين المخلصين أحق أن يتحسر ويتحسر عليه ، وقيل : يقول الله تعالى يوم القيامة
يا حَسْرَةً عَلَى الْعِبادِ
حين لم يؤمنوا بالرسل . ولما بين تعالى حال الأولين قال للحاضرين :
أَ لَمْ يَرَوْا
أي : أهل مكة القائلين للنبي صلّى اللّه عليه وسلم لست مرسلا ، والاستفهام للتقرير أي : اعلموا وقوله تعالى
كَمْ
خبرية بمعنى كثيرا وهو مفعول لأهلكنا تقديره : كثيرا من القرون أهلكنا وهي معمولة لما بعدها معلقة ليروا عن العمل ذهابا بالخبرية مذهب الاستفهامية والمعنى : أما
أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ
كثيرا
مِنَ الْقُرُونِ
أي : الأمم ، قال البغوي : والقرن أهل كل عصر سموا بذلك لاقترانهم في الوجود
أَنَّهُمْ
أي : المهلكين
إِلَيْهِمْ
أي : إلى أهل مكة
لا يَرْجِعُونَ
أي : لا يعودون إلى الدنيا أفلا يعتبرون ، وقيل : لا يرجعون أي : الباقون لا يرجعون إلى المهلكين بسبب ولا ولادة أي : أهلكناهم وقطعنا نسلهم ولا شك أن الإهلاك الذي يكون مع قطع النسل أتم وأعم ، قال ابن عادل : والأول أشهر نقلا . والثاني : أظهر عقلا . وقوله تعالى :
وَإِنْ
نافية أو مخففة وقوله تعالى
كُلٌّ
أي : كل الخلائق مبتدأ وقرأ
لَمَّا
ابن عامر وعاصم وحمزة بتشديد الميم بمعنى إلا ، والباقون بالتخفيف واللام فارقة وما مزيدة وقوله تعالى
جَمِيعٌ
أي : مجموعون خبر أول
لَدَيْنا
أي : عندنا في الموقف بعد بعثهم وقوله تعالى
مُحْضَرُونَ
أي : للحساب خبر ثان وما أحسن قول القائل « 1 » :
ولو أنا إذا متنا تركنا * لكان الموت راحة كل حيّ
ولكنا إذا متنا بعثنا * ونسأل بعدها عن كل شيء
ولما قال
وَإِنْ كُلٌّ لَمَّا جَمِيعٌ
كان ذلك إشارة إلى الحشر فذكر ما يدل على إمكانه قطعا لإنكارهم واستبعادهم فقال تعالى :
وَآيَةٌ
أي : علامة عظيمة
لَهُمُ
أي : على قدرتنا على البعث وإيجادنا له
الْأَرْضُ
أي : هذا الجنس الذي هم منه ثم وصفها بما حقق وجه الشبه بقوله تعالى :
الْمَيْتَةُ
التي لا روح لها ؛ لأنه لا نبات بها أعم من أن يكون بها نبات وفنى أو لم يكن بها شيء أصلا ، ثم استأنف بيان كونها آية بقوله تعالى :
أَحْيَيْناها
أي : باختراع النبات فيها أو بإعادته بسبب المطر كما كان بعد اضمحلاله ، فإن قيل : الأرض آية مطلقا فلم خصها بهم حيث قال تعالى :
وَآيَةٌ لَهُمُ
؟ أجيب : بأن الآية تعدد وتسرد لمن لم يعرف الشيء بأبلغ الوجوه ، وأما من عرف الشيء بطريق الرؤية فلا يذكر له دليل فالنبي صلّى اللّه عليه وسلم وعباد الله المخلصين عرفوا الله تعالى قبل الأرض والسماء فليست الأرض معرفة لهم . تنبيه : آية خبر مقدم ولهم صفتها أو متعلقة بآية ؛ لأنها علامة والأرض مبتدأ ، وأعرب أبو البقاء آية مبتدأ ولهم الخبر والأرض الميتة مبتدأ وصفة وأحييناها خبره فالجملة مفسرة لآية وبهذا بدأ ثم قال : وقيل فذكر الوجه الأول . ولما كان إخراج الأقوات نعمة أخرى قال
وَأَخْرَجْنا مِنْها حَبًّا
أي : جنس الحب كالحنطة
هامش
( 1 ) البيتان من الوافر ، وهما بلا نسبة في نفح الطيب 9 / 48 .