81 ] وأما دليل التهديد فقوله تعالى
إِنْ نَشَأْ
أي : بما لنا من العظمة
نَخْسِفْ بِهِمُ الْأَرْضَ
أي :
كما فعلنا بقارون وذويه لأنه ليس نفوذ بعض أفعالنا فيه بأولى من غيره
أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفاً
أي : قطعا
مِنَ السَّماءِ
فنهلكهم بها ، وقرأ حفص بفتح السين والباقون بسكونها .
تنبيه : في قوله تعالى
أَ فَلَمْ يَرَوْا
الرأيان المشهوران قدره الزمخشري أفعموا فلم يروا وغيره يدعي أن الهمزة مقدمة على حرف العطف ، وقوله
مِنَ السَّماءِ
بيان للموصول فيتعلق بمحذوف ، ويجوز أن يكون حالا فيتعلق به أيضا قيل : وثم حال محذوفة تقديره : أفلم يروا إلى كذا مقهورا تحت قدرتنا أو محيطا بهم فيعلموا أنهم حيث كانوا فإن أرضي وسمائي محيطة بهم لا يخرجون من أقطارها ، وأنا القادر عليهم وقرأ حمزة والكسائي إن يشأ يخسف بهم الأرض أو يسقط بالياء في الثلاثة كقوله تعالى
أَفْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً
[ الأنعام : 21 ] والباقون بالنون ، وأدغم الكسائي الفاء في الباء وأظهرها الباقون
إِنَّ فِي ذلِكَ
أي : فيما ترون من السماء والأرض
لَآيَةً
أي : علامة بينة تدل على قدرتنا على البعث
لِكُلِّ عَبْدٍ
أي : متحقق أنه مربوب ضعيف مسخر لما يراد منه
مُنِيبٍ
أي : فيه قابلية الرجوع إلى ربه بقلبه .
ولما ذكر تعالى من ينيب من عباده وكان من جملتهم داود عليه السّلام كما قال ربه
فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ راكِعاً وَأَنابَ
[ ص : 24 ] ذكره بقوله تعالى :
وَلَقَدْ آتَيْنا
أي : أعطينا إعطاء عظيما دالا على نهاية المكنة بما لنا من العظمة
داوُدَ مِنَّا فَضْلًا
أي : النبوة والكتاب ، أو الملك أو جميع ما أوتي من حسن الصوت وتليين الحديد وغير ذلك مما خص به ، وهذا الأخير أولى .
تنبيه : قوله تعالى
مِنَّا
فيه إشارة إلى بيان فضل داود عليه السّلام لأن قوله تعالى
وَلَقَدْ آتَيْنا داوُدَ مِنَّا فَضْلًا
مستقل بالمفهوم وتام كما يقول القائل : آتى الملك زيدا خلعة فإذا قال القائل : أتاه منه خلعه يفيد أنه كان من خاص ما يكون له ، فكذلك إيتاء الله تعالى الفضل عام لكن النبوة من عنده خاص بالبعض ونظيره قوله تعالى
يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوانٍ
[ التوبة : 21 ] فإن رحمة الله تعالى واسعة تصل إلى كل أحد ، لكن رحمته في الآخرة على المؤمنين رحمة من عنده لخواصه وقوله تعالى
يا جِبالُ
محكي بقول مضمر ثم إن شئت قدرته مصدرا ، ويكون بدلا من فضل على جهة تفسيره به كأنه قيل آتيناه فضلا قولنا يا جبال ، وإن شئت قدرته فعلا وحينئذ لك وجهان : إن شئت جعلته بدلا من آتينا معناه آتينا قلنا : يا جبال ، وإن شئت جعلته مستأنفا
أَوِّبِي
أي : رجّعي
مَعَهُ
بالتسبيح إذا سبح أمر من التأويب وهو الترجيع وقيل : التسبيح بلغة الحبشة وقال العيني :
أصله من التأويب في السير ، وهو أن يسير النهار كله وينزل ليلا كأنه يقول : أوبي النهار كله بالتسبيح معه وقال وهب : نوحي معه وقيل : سيري معه وقوله تعالى
وَالطَّيْرَ
منصوب بإجماع القراء السبعة واختلف في وجه نصبه على أوجه : أحدها : أنه عطف على محل جبال لأنه منصوب تقديرا لأن كل منادى في موضع نصب . الثاني : أنه عطف على فضلا قاله الكسائي ، ولا بد من حذف مضاف تقديره آتيناه فضلا وتسبيح الطير . الثالث : أنه منصوب بإضمار فعل أي : وسخرنا له الطير قاله أبو عمرو .
تنبيه : لم يكن الموافق له في التأويب منحصرا في الطير والجبال ولكن ذكر الجبال لأن الصخور للجمود والطير للنفور وكلاهما تستبعد منه الموافقة ، فإذا وافقته هذه الأشياء فغيرها أولى ، ثم من الناس من لم يوافقه وهم القاسية قلوبهم التي هي أشد قسوة قال المفسرون : كان داود عليه