تِلْكَ
أي : الآيات التي هي من العلوّ والعظمة بمكان
آياتُ الْكِتابِ
أي : الجامع لجميع أنواع الخير
الْحَكِيمِ
بوضع الأشياء في حواق مراتبها فلا يستطاع نقص شيء من إبرامه ، ولا معارضة شيء من كلامه الدال ذلك على تمام علم منزله وشمول عظمته وقدرته ، والإضافة بمعنى من .
وقوله تعالى :
هُدىً وَرَحْمَةً
بالرفع وهي قراءة حمزة خبر مبتدأ مضمر هي أو هو ، وقرأ الباقون بالنصب على الحال من آيات والعامل ما في اسم الإشارة من معنى الفعل . وقال تعالى
لِلْمُحْسِنِينَ
إشارة إلى أنّ رحمة الله قريب من المحسنين فإنه تعالى قال في البقرة :
ذلِكَ الْكِتابُ
[ البقرة : 2 ] ولم يقل الحكيم وههنا قال : الحكيم ؛ لأنه لما زاد ذكر وصف في الكتاب زاد ذكرا من أحواله فقال
هُدىً وَرَحْمَةً
وقال هناك
هُدىً لِلْمُتَّقِينَ
[ البقرة : 2 ] فقوله تعالى هدى في مقابلة قوله تعالى الكتاب ، وقوله تعالى : ورحمة في مقابلة قوله تعالى : الحكيم ، ووصف الكتاب بالحكيم على معنى ذي الحكمة كقوله تعالى
فِي عِيشَةٍ راضِيَةٍ
[ الحاقة : 21 ] أي : ذات رضا . وقوله تعالى هناك : للمتقين وقوله تعالى هنا للمحسنين لأنه لما ذكر أنه هدى ولم يذكر شيئا آخر قال للمتقين أي : يهدي به من يتقي الشرك والعناد ، وههنا زاد قوله تعالى ورحمة فقال للمحسنين كما قال تعالى :
لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنى وَزِيادَةٌ
[ يونس : 26 ] فناسب زيادة قوله تعالى ورحمة ولأنّ المحسن يتقي وزيادة .
ثم وصف المحسنين بقوله تعالى :
الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ
أي : يجعلونها كأنها قائمة بسبب إتقان جميع ما أمر به فيها وندب إليه ، ودخل فيها الحج لأنه لا يعظم في كل يوم خمس مرّات إلا معظم له بالحج فعلا أو قوّة
وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ
أي : كلها فدخل فيها الصوم ؛ لأنه لا يؤدي زكاة الفطر إلا من صامه فعلا أو قوّة .
ولما كان الإيمان أساس هذه الأركان وكان الإيمان بالبعث جامعا لجميع أنواعه وحاملا على سائر وجوه الإحسان قال تعالى
وَهُمْ بِالْآخِرَةِ
أي : التي تقدّم أنّ المجرمين عنها غافلون
هُمْ يُوقِنُونَ
أي : يؤمنون بها إيمان موقن فهو لا يفعل شيئا ينافي الإيمان ، ولا يغفل عنه طرفة عين ، فهو في الذورة العليا من ذلك فهو يعبد الله تعالى كأنه يراه ، فآية البقرة بداية وهذه نهاية .
ولما كانت هذه الخلال أمهات الأفعال الموجبة للكمال وكانت مساوية من وجه لآية البقرة ختمها بختامها بعد أن زمها بزمامها فقال :
أُولئِكَ
أي : العالو الرتبة الحائزون من منازل القرب أعظم رتبة
عَلى هُدىً
أي : متمكنون منه تمكن المستعلي على الشيء ، وقال
مِنْ رَبِّهِمْ
تذكيرا لهم بأنه لولا إحسانه لما وصلوا إلى شيء ليلزموا تمريغ الجباه على الأعتاب خوفا من الإعجاب
وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ
أي : الظافرون بكل مراد .
لما بين سبحانه وتعالى حال من تحلى بهذا الحال فترقى إلى حلية أهل الكمال بين حال أضدادهم بقوله تعالى :
وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ
أي : ما يلهي عما يعني كالأحاديث التي لا أصل لها والأساطير التي لا اعتبار فيها والمضاحك وفضول الكلام ، فإن قيل : ما معنى إضافة اللهو إلى الحديث ؟ أجيب : بأنّ معناها التبيين وهي الإضافة بمعنى من وأن يضاف الشيء إلى ما هو منه كقوله : جبة خزّ وباب ساج ، والمعنى : من يشترى اللهو من الحديث لأن اللهو يكون من الحديث ومن غيره فبين بالحديث ، والمراد بالحديث الحديث المنكر كما جاء في الحديث :