وإما أن تبتاع منه ، وإما أن تجد ريحا طيبة ، ونافخ الكير إما أن يحرق ثيابك وإما أن تجد ريحا خبيثة » « 1 » وقال صلّى اللّه عليه وسلم : « المرء على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل » « 2 » وقال صلّى اللّه عليه وسلم : « لا تصاحب إلا مؤمنا ، ولا يأكل طعامك إلا تقي » « 3 » .
ولما ذكر تعالى أقوال الكفار ذكر قول رسوله محمد صلّى اللّه عليه وسلم بقوله تعالى :
[ سورة الفرقان ( 25 ) : الآيات 30 إلى 49 ]
وَقالَ الرَّسُولُ يا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هذَا الْقُرْآنَ مَهْجُوراً ( 30 ) وَكَذلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ وَكَفى بِرَبِّكَ هادِياً وَنَصِيراً ( 31 ) وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ لا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً كَذلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ وَرَتَّلْناهُ تَرْتِيلاً ( 32 ) وَلا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلاَّ جِئْناكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيراً ( 33 ) الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلى وُجُوهِهِمْ إِلى جَهَنَّمَ أُوْلئِكَ شَرٌّ مَكاناً وَأَضَلُّ سَبِيلاً ( 34 )
وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ وَجَعَلْنا مَعَهُ أَخاهُ هارُونَ وَزِيراً ( 35 ) فَقُلْنَا اذْهَبا إِلَى الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا فَدَمَّرْناهُمْ تَدْمِيراً ( 36 ) وَقَوْمَ نُوحٍ لَمَّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ أَغْرَقْناهُمْ وَجَعَلْناهُمْ لِلنَّاسِ آيَةً وَأَعْتَدْنا لِلظَّالِمِينَ عَذاباً أَلِيماً ( 37 ) وَعاداً وَثَمُودَ وَأَصْحابَ الرَّسِّ وَقُرُوناً بَيْنَ ذلِكَ كَثِيراً ( 38 ) وَكُلاًّ ضَرَبْنا لَهُ الْأَمْثالَ وَكُلاًّ تَبَّرْنا تَتْبِيراً ( 39 )
وَلَقَدْ أَتَوْا عَلَى الْقَرْيَةِ الَّتِي أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ أَ فَلَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَها بَلْ كانُوا لا يَرْجُونَ نُشُوراً ( 40 ) وَإِذا رَأَوْكَ إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلاَّ هُزُواً أَ هذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولاً ( 41 ) إِنْ كادَ لَيُضِلُّنا عَنْ آلِهَتِنا لَوْ لا أَنْ صَبَرْنا عَلَيْها وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ الْعَذابَ مَنْ أَضَلُّ سَبِيلاً ( 42 ) أَ رَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ أَ فَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلاً ( 43 ) أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلاَّ كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً ( 44 )
أَ لَمْ تَرَ إِلى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ وَلَوْ شاءَ لَجَعَلَهُ ساكِناً ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلاً ( 45 ) ثُمَّ قَبَضْناهُ إِلَيْنا قَبْضاً يَسِيراً ( 46 ) وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِباساً وَالنَّوْمَ سُباتاً وَجَعَلَ النَّهارَ نُشُوراً ( 47 ) وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّياحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ وَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً طَهُوراً ( 48 ) لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتاً وَنُسْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنا أَنْعاماً وَأَناسِيَّ كَثِيراً ( 49 )
وَقالَ الرَّسُولُ يا رَبِّ
أي : أيها المحسن إليّ بأنواع الإحسان وعبر بأداة البعد هضما لنفسه ، ومبالغة في التضرع
إِنَّ قَوْمِي
أي : قريشا الذين لهم قوة ومنعة
اتَّخَذُوا هذَا الْقُرْآنَ
أي : المقتضي للإجماع عليه والمبادرة إليه
مَهْجُوراً
أي : متروكا بعيدا لم يؤمنوا به ولم يقبلوه ، وأعرضوا عن استماعه .
تنبيه : أشار بصيغة الافتعال إلى أنهم عالجوا أنفسهم في تركه علاجا كثيرا لما يرون من حسن نظمه ويذوقون من لذيذ معانيه ورائق أساليبه ، ولطيف عجائبه وبديع غرائبه ، وأكثر المفسرين على أن هذا القول وقع من النبي صلّى اللّه عليه وسلم ، وقال أبو مسلم : بل المراد أنه يقوله في الآخرة كقوله تعالى :
فَكَيْفَ إِذا جِئْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ
[ النساء ، 41 ] الآية ، والأول أولى ؛ لأن قوله تعالى :
وَكَذلِكَ
أي : كما جعلنا لك عدوا من مشركي قومك
جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ
من الأنبياء قبلك رفعة
هامش
( 1 ) أخرجه البخاري في الذبائح حديث 5534 ، ومسلم في البر حديث 2628 .
( 2 ) أخرجه أبو داود في الأدب حديث 4833 ، والترمذي في الزهد حديث 2378 ، وأحمد في المسند 2 / 303 .
( 3 ) أخرجه أبو داود في الأدب حديث 4832 ، والترمذي في الزهد حديث 2395 ، والدارمي في الأطعمة حديث 2057 .